#adsense

«وثيقة الأخوة»… معاهدة سلام لكل البشرية

حجم الخط

كتبت مارلين سلوم من أبو ظبي في “المسيرة” – العدد 1692

 

مباركة أنت يا وثيقة خطتها أيدي الخير، فرسمتها دروباً سنمشيها بكل فخر وثقة بأن الآتي أجمل.

مباركة أنت يا وثيقة لم تُكتب من كلمات، بل من فعل إيمان وحب وتقدير واحترام لكل إنسان على وجه الأرض.

مباركة أنت يا وثيقة حروفها من ذهب مرصوصة كالعقد، معلقة على صدورنا وفي معاصمنا، كي لا ننساها أبداً، ونلتزم بها فتصير كالصلاة نرددها بكل محبة في كل الأوقات.

 

مباركة يا «وثيقة الأخوّة الإنسانية» بكل ما تحملينه من بنود؛ فباسم الله مكللة، وباسم المقهورين والمظلومين والفقراء والشعوب والأيتام والأرامل والنفوس الطاهرة والأخوّة والعدل والرحمة والحرية وكل ذوي الإرادة الصالحة، تنطلق مسيرتك من هنا، من أرض الخير لتشقّي طريق التسامح الذي يمتد إلى كل بلد وقرية وبيت على هذا الكوكب ولن تكون له نهاية.

باسم الله انطلقت، وكل نفس طاهرة ذَكَرت، لأن الله لا يخلق النفس إلاّ طاهرة. وشملت كل إنسان وكل القيم والمبادئ من دون أن تنسى العدل والحرية والرحمة. باسم الحق افتتحت بنودها، فجاءت خير قسم وخير رسالة للبشرية.

 

الوثيقة ثمرة لقاء قيادتي أكبر ديانتين في العالم على أرض الإمارات، ولم تكن لتولد بهذا الشكل، لولا حرص هذه الدولة على تتويج مسيرتها الطويلة مع التسامح، والتي تطبقها فعلياً مع احتضانها أكثر من 200 جنسية في مختلف إماراتها، والكل فيها متساوٍ ومصون الحقوق والكرامة، بإعلان 2019 عام التسامح، لتنطلق الأعمال من القمة، ومع أسمى معاني التسامح والأخوّة وتجسيد المحبة، من خلال استقبال قداسة البابا فرنسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، في لقاء تاريخي، وتوقيعهما وثيقة الأخوّة الإنسانية وهي معاهدة سلام ومحبة ووئام سيذكرها التاريخ، ومن الواجب الحرص على تشريعها في مختلف دول العالم المؤمنة بحق الإنسان في العيش بسلام.

الوثيقة هي إبنة عصرنا الحديث، تواكب تقلباته وتواجه موجات التطرف العاتية والتي تسعى للإطاحة بالمعتقدات وتشويه الديانات؛ ستواجه الوثيقة الكثير من الاستخفاف والعراقيل، حيث يسعى «إبليس» إلى التحكم بالعقول والنفوس؛ كيف لا وهو الآمر بإشعال الفتن الطائفية والقتل باسم الدين ليزيد فيه طعناً وتشويهاً، وزرع الحروب وتشريد الأبرياء وتهجير العائلات…

 

إنبثاق الوثيقة من الواقع الذي نعيشه، وتفنيدها للنجاحات والآلام والمآسي والكوارث، والتقلبات التي يمر بها الإنسان والموجات التي يواجهها، يجعلها أكثر التصاقاً بكل فرد منا، فيشعر كل قارئ أياً كان موقعه، من قادة الدول والمتحكمين بالسياسة والاقتصاد، حتى رجال الدين والمفكرين وأهل العلم والأدب والإعلام والفن.. كل يشعر بأنها رسالة موجهة إليه، تخاطبه بشكل مباشر، تفرح لفرحه وتتألم لألمه، وتأخذ بيده ليكون مسؤولاً عن رعيته ومجتمعه؛ بل قل ليكون أيضاً مسؤولاً عن جاره، وكل متألم ومظلوم وفقير وبائس على وجه الأرض. هل يعجز الإنسان على مد يده للآخر القريب والبعيد؟ ألا يمكن لهذه اليد أن تطال أبعد نقطة في العالم لنصرة الحق والانتصار للإنسانية؟

كلنا نستطيع، وبالإرادة أن نحقق السلام والعدالة السماوية، لأن الله لم يفرّق بيننا حين منحنا الحياة، ولن يفرّق بيننا حين نرجع إليه ويوم القيامة، إلا بحسب أعمالنا.

 

في الوثيقة أو المعاهدة إن شئت، أو الرسالة الإنسانية السامية، «إيمان جازم بأن أهم أسباب أزمة العالم اليوم يعود إلى تغييب الضمير الإنساني، وإقصاء الأخلاق الدينية، وكذلك استدعاء النزعة الفردية والفلسفات المادية التي تؤله الإنسان، وتضع القيم المادية الدنيوية موضع المبادئ العليا والمتسامية». ونحن نؤمن بأن الضمير الغائب يطغى على الحاضر ويحاول السيطرة على المستقبل، فكيف لا ننهض جميعاً من أجل صحوة تنتشلنا من آتون يلتهم النفس البشرية؟ وكيف لا نتمسك بالأخلاق الدينية لنسمو بالإنسان إلى المرتبة والصورة، التي أراده الله أن يكون عليها وفيها؟

لا تجد في الوثيقة خيالاً أو كلاماً فضفاضاً، بل صوراً من عمق الحقيقة ومن قلب الألم والأمل. هي تطرق أبواب الثكالى والأيتام والأرامل، تدق ناقوس الخطر بشأن تكديس السلاح والذخائر وتنذر من إشتعال «حرب عالمية ثالثة على أجزاء»، ورعشة الخوف من المستقبل المظلم تمثل أمام أعيننا.

نعم، التجارة بالسلاح هي متاجرة بأرواح الناس. لماذا التسلح إن لم يكن بهدف القتل والتدمير والقضاء على «الآخر»؟ ولماذا يسعى المرء إلى هذه السياسة إن لم تكن لديه نزعة التطرف والتفرد بالحكم والسيطرة على العالم؟ لماذا يسعى المرء إلى العنف، إن لم يكن في داخله شيطان يحثه على التحكم بمصائر الآخرين وبالقوة؟

 

إلغاء «الآخر» ليس مرهوناً بالسياسيين فقط، بل يمكن تطبيقه على أصغر دائرة يعيش فيها كل مخلوق، بدءاً من بيته ومجتمعه وبيئته.. إنه العنف، عدو التسامح الأول. عنف في البيت، في المجتمع، في المدرسة، حتى عنف الإنسان تجاه الطبيعة، فهو يمعن في إيذائها، حرقاً أو هدراً للثروات أو استغلالاً خاطئاً.. ويصل بسمومه إلى الفضاء والتسبب بالتغير المناخي.

دائماً هناك وجهان في الحياة، الخير والشر، الأبيض والأسود. فلماذا يكون صوت الفساد والتطرف أعلى؟ ولماذا ينتشر السواد سريعاً، بينما نشعر بأن الخير كالسلحفاة بطيء، يصل بصعوبة لانتشال البائسين ونشر مفاهيم المحبة وزرع سنابل السلام في كل الحقول؟ لماذا ما زال هناك ملايين الأطفال يموتون جوعاً، بينما هناك موائد متخمة ومواقع التواصل تتكدس فيها صور الموائد والأطباق مما لذ وطاب؟ وكيف يسمح الإنسان بوجود أطفال «هياكل عظمية» تنتظر الموت كل يوم بسبب عدم وصول لقمة أو شربة ماء أو أي غذاء لها، بينما التطور بلغ مداه، وحقّق الإنسان قفزات في الابتكار والوصول إلى المريخ بعدما أصبح القمر جاره ومحطته الدائمة والسهلة المنال؟ ولماذا يعاني المرضى بسبب عدم القدرة على تأمين الدواء، بينما تتنافس الشركات على ابتكار علاجات جديدة وتطوير أشكال الأدوية ومركّباتها؟

كلما مشيت على درب الوثيقة، رأيت الواقع بلا أي افتراض، مجسداً بالتساؤلات الكبيرة، ووجدت الإجابات واضحة وصريحة، تحتاج فقط إلى من يسعى إلى العمل بها. ومن النقاط المهمة جداً، تلك التي تشدد على مواجهة «التعصب الأعمى»، وأهمية التربية الأخلاقية والدينية، والتي يُعدّ دور الأسرة فيها أساسياً. تستوقفنا كلمة «أهمية إيقاظ الحس الديني والحاجة لبعثه مجدداً في نفوس الأجيال الجديدة عن طريق التربية الصحيحة، والتنشئة السليمة، والتحلي بالأخلاق، والتمسك بالتعاليم الدينية القويمة، لمواجهة النزعات الفردية والأنانية والصدامية، والتطرف، والتعصب الأعمى، بكل أشكاله وصوره»، فكل التيارات الدينية المتطرفة تجد في الأبناء ضعيفي الإيمان أو الهاربين من التعنيف المنزلي والتشتت الأسري، والذين يعانون من إنحراف أخلاقي وسلوكي، صيداً ثميناً، يتمسكون به لجعله قنبلة موقوتة يتم إعدادها وتوجيهها لزرعها بين الأبرياء الآمنين، فتنفجر محدثة شرخاً كبيراً في مسيرة الاستقرار الأمني والتعايش السلمي.

 

الأبناء هم الأكثر عرضة لتلك التيارات، وهم بناة المستقبل، فكيف نتركهم لتعصف بهم رياح التطرف وتأخذهم نحو الهلاك وتعميهم عن الحق والنور؟ مسؤوليتنا جميعاً أن نزرع الإيمان في عائلاتنا لنزرعه في قلوبهم، وأن تكون بيوتنا حقول سلام وخير ومحبة ونموذجاً صالحاً لإعلاء كلمة الله على كل كلمة، ولسلوك دروب الرحمة والسلام الروحي لنصل إلى تأدية مهمتنا على أكمل وجه، من خلال المحافظة على «هبة الحياة» كما تقول الوثيقة، التي أوصانا الله بها، فكيف نفرط فيها أو نستهين بالأمانة؟

معاهدة السلام هذه، تأتي اليوم لتؤكد أن الأديان ليست سبيلاً للمتاجرة بالسلاح ولا بالأرواح، ولا هي وسيلة لنشر الصراعات والحروب، ولا هي أداة لاستغلال المناصب والتحكم بالمصائر وإراقة الدماء وبث الذعر والتهديد.. ومن الفقرات المهمة جداً والتي علينا إبرازها والتحدث عنها في كافة المحافل والمناسبات، والتذكير بها دائماً، وتلقينها لأبنائنا لتكون السلاح الذي يواجهون به كل من يحاول استغلالهم أو تضليلهم: «الكف عن إستخدام إسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش؛ لإيماننا المشترك بأن الله لم يخلق الناس ليقتلوا، أو ليتقاتلوا، أو يعذبوا، أو يضيّق عليهم في حياتهم ومعاشهم، وأنه – عز وجل – في غنى عمن يدافع عنه، أو يرهب الآخرين باسمه». فكفّوا أيها المضللون عن المتاجرة باسم الله وباسم الديانات، وكفّوا عن التخفي خلف أقنعة الدفاع عن الإنسان، لأنكم مهلكوه ومهلكو الأرض والحياة.

 

ما هو دورنا اليوم وقد حلّت علينا بشائر السلام أمس وقبله، تاركة بين أيدينا الوثيقة أمانة؟ هل نقرأها وكفى؟ هل نجعلها ذكرى طيبة ومناسبة نحتفي بها كل عام؟ لا، لا يكفينا أن نقرأ الرسالة فقط، وأن نفرح بها، إنما سنتوقف عند كل بنودها، بل نتعهّد أن نزكّي النفس لترتقي إلى الصفاء والنقاء، فلا تضعف أمام مغريات التوّاقين إلى الشر، ونعمل فعلياً على نبذ أي تمييز بين الإنسان وأخيه، ولنكن دعاة سلام ومحبة ومناضلين من أجل الحفاظ على حقوقنا «الآدمية»..

فيا كل المتألمين والواقفين على أبواب الرجاء والدعاء، ويا كل الأطفال والشباب الحالمين بمستقبل آمن ومشرق، ها هي الأبواب تفتح من جديد ليطل النور من باب «وثيقة الأخوّة الإنسانية».

باسمكم؟ وباسم كل إنسان على هذه الأرض، وباسم الأحياء الذين يعانون من أجل البقاء، ومن أجل الحصول على حقهم في العيش بكرامة والتمتع بما منحهم الله من خيرات، وباسم كل أمانة تركها الله بين أيدينا، وباسم كل من لا صوت لهم، نتعهد -أن نسعى- بكل ما أوتينا من إيمان بالله وبالعدالة السماوية، وبالأخوّة الإنسانية، وبالحق بالعيش بكرامة على هذه الأرض، وبالمساواة بين الجميع بلا أي استثناء، وبصحوة الضمير التي لا تغيب، ولا تنام، ولا تغفل عن صغيرة أو كبيرة، ولا يفوتها تلبية أي نداء إنساني، وبإعلاء صوت الحق على الباطل، وبنصرة الضعيف، وبالتسامح والعيش المشترك.. نتعهد أن نسعى وعن قناعة تامة وبكل عزيمة، بجعل الوثيقة رزنامتنا اليومية، وجدول حياتنا المقدّس، والذخيرة التي لا تفارقنا، وأسلوب حياتنا اليومي، والنشيد الذي نتلوه على مسامع أطفالنا ليحفظوه غيباً، والخبز الذي نقتات منه على موائدنا، ومسلكنا الذي لا نحيد عنه من أجل أن تنتصر الإنسانية، ويصير المستقبل مشرقاً، ولنستحق أن نعيش على هذا الكوكب الذي هو أمانة في أعناقنا جميعاً.

الوثيقة مسبحة تدعونا إلى السلام والمحبة، لن نفرط في أي حبّة منها، ولن تتفرق حبيباتها، فهي معقودة بحبال التسامح والإيمان.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل