#adsense

صفير ودوره التاريخي في قيام دولة المناصفة

حجم الخط

الثنائية الإسلاميّة ـ المسيحيّة لا الثنائية المذهبية قاعدة لاستقلال واستقرار وازدهار لبنان
صفير ودوره التاريخي في قيام دولة المناصفة

نجح البطريرك المارونيّ نصرالله صفير، كظاهرة "لاهوتيّة ـ تاريخيّة" بإمتياز، في أن يعيد الإعتبار لـ"الثنائية الإسلاميّة المسيحيّة" بوصفها القاعدة الأساسيّة لإستقلال وإستقرار وإزدهار لبنان، في مناقضة حيّة، ميدانيّة، يوميّة، وعميقة، في الفكر، أو في الوجدان، لذاك "التنظير" المتسرّع، والمكرّر علينا في سياقات مختلفة، سواء في مرحلة "ما بعد إنتهاء الحرب"، أو منذ عام 2005 وإلى اليوم، والذي مفاده أن البلد الذي كان قائماً على معادلة "الثنائيّة الطائفيّة" الإسلاميّة المسيحيّة بات محكوماً بمعادلة "الثنائيّة المذهبيّة" السنيّة الشيعيّة.

إن التجربة التي يشكل البطريرك صفير رأسها وعنوانها الأبرز تثبت لنا معادلة مناقضة تماماً. فلئن كانت "الهيمنة المسيحيّة" والمارونيّة تحديداً قد فقدت عملياً امكان تجديد نفسها لكثير من الأسباب، فإنّ "الثنائية الإسلاميّة المسيحيّة" ما فتئت حيّة ترزق، وهي القاعدة الأساسيّة لقيامة لبنان، وتحقّقه في دولة أمّة، هذا بشرط أن تقف هذه الثنائية على قدميها، لا على رأسها بعد الآن، أي أن تستند إلى مبدأ المناصفة الدائمة، بوصفه المبدأ الملازم للكيانية الميثاقية النهائية التي ارتضاها اللبنانيون مقدّمة لدستورهم.

من أراد تجاوز "الثنائية الإسلامية المسيحية" بإتجاه "الثنائية المذهبيّة السنيّة الشيعية" أراد أن يوحي بأن دور المسيحيين الحيويّ والحضاريّ انتهى، وأنّ على المسلمين الإنقسام مذهبيّاً في ما بينهم كي ترث فئة منهم هذا الدور، وأنّ على الإقليم أن يضبط هذا الإنقسام أو أن يجعله ينفلت من عقاله.

شكّل هذا الطرح في مرحلة ما بعدَ الحرب، سنداً أساسيّاً لـ"تحييد" المسيحيين عن الصراع ضدّ "النظام الأمنيّ" في مرحلة تشكّله بين عامي 1994 و1998، هذا في وقت كان "النظام الأمنيّ" يمارس سياسة قمعيّة مباشرة بحقّ التيّارات المسيحيّة السياديّة، تماماً مثلما كان هذا النظام يدرك بأنّه المتضرّر بالدرجة الأولى من الديناميّة التي أطلقها "السينودوس من أجل لبنان" في تلك المرحلة، والتي تتوّجت بـ"الإرشاد الرسوليّ" للبابا الراحل يوحنا بولس الثاني.

حاول "النظام الأمنيّ" وقتها أن يمرّر نفسه مسيحيّاً، بالقول إنّه من مصلحة المسيحيين إسناده، لأنّه قادر كنظام أمنيّ على تجاوز "الثنائية المذهبيّة" السنيّة الشيعيّة، بل وعلى تقديم نموذج عن رئاسة جمهوريّة قويّة. بمعنى آخر، اقترح هذا "النظام الأمنيّ" في التسعينيّات على المسيحيين المعادلة التالي: حفظ بعض دورهم في مقابل إلغاء الدور الحيويّ والحضاريّ للبنان. اللافت هنا أنّ حفنة "الخبراء الإقتصاديين والأكاديميين" الملتحقة مبكراً بالنظام الأمنيّ كانت هي نفسها التي عمّمت أنّ دور لبنان الإقتصاديّ في محيطه انتهى، وأنّ مصلحة المسيحيين تكمن في الإنضواء التام في إطار النظام الأمنيّ، لا بل حاول بعض هؤلاء "الخبراء" أن يوحي، لمن يذكر، بأنّ "النظام الأمنيّ" يحمل سمات "إستقلاليّة".

ما حصل وقتها أنّ "النظام الأمنيّ" لم يستطع أن يمرّر نفسه مسيحيّاً لأكثر من بضعة شهور في خريف العام 1998، وأنّ "الإستقطاب السياديّ" عاكسَ كلّ "العدّة التنظيريّة" لأكاديمييّ "النظام الأمنيّ". ومع إطلاق نداء المطارنة الموارنة في أيلول 2000، ثبت بشكل قاطع، بأنّ المسيحيين اختاروا نهجاً آخر، هو نهج الوصل بين إيمانهم بأنّ دورهم الحيويّ والحضاريّ لم ينته، وبأنّ الدور الحيويّ والحضاريّ، وبالتالي الإقتصاديّ للبنان في محيطه لم ينته ايضاً. خالفوا بذلك العرض المقترح عليهم من "النظام الأمنيّ" (حفظ بعض الدور المسيحيّ، في مقابل إلغاء الدور اللبنانيّ المتمايز). وأسسوا كذلك للتلاقيّ الثنائيّ الإسلاميّ المسيحيّ على أساس المعادلة السياديّة التناصفيّة. فمن هنا، سحبت بين عامي 2000 و2005 "تنظيرة" أن "دور المسيحيين انتهى"، وانصبّ كل عمل شبكة "النظام الأمنيّ" على محاولات ضرب التلاقي الثنائيّ الإسلاميّ ـ المسيحيّ، وخير مثال على ذلك كان "إنقلاب 7 آب 2001" مباشرة بعد "مصالحة الجبل".

إلا أنّ الإنقسام اللبنانيّ بين ساحتي 8 و14 آذار، ثم الإنقسام المسيحيّ بعد خروج العماد ميشال عون وتيّاره من 14 آذار بإتجاه 8 آذار، عاد وأعطى طاقات دفع جديدة لـ"التنظيرة" القائلة بأنّ "الثنائية الطائفية الإسلامية المسيحيّة" ولت لحساب "الثنائية المذهبية الشيعية السنيّة"، وعزّز ذلك مشهد الفتنة المذهبية الإقليميّة والمدّ، غير المسبوق منذ قرون، للنفوذ الإيرانيّ في المشرق العربيّ.

وبدلاً من العرض المقدّم من جانب "النظام الأمنيّ" في التسعينيات، حضر العرض المقدّم من جانب "8 آذار": "المثالثة" و"تحالف الأقليّات" في إطار "الممانعة" و"المقاومة". كان "النظام الأمنيّ" يستند إلى "خبراء إقتصاديين وأكاديميين" يفتون له بأنّ دور لبنان الإقتصاديّ الرائد انتهى، وكان يبني على الشيء مقتضاه. أمّا "حزب الله" فجاء يقول إنّ دور لبنان الحقيقيّ ابتدأ منذ يوم التحرير في أيّار 2000، وهو أن يتحوّل منارة نموذجيّة لجميع حركات المقاومة وأنظمة الممانعة في الشرق والعالم. وفي هذا الإطار بالذات، أعاد "8 آذار" اكتشاف دور للمسيحيين: هو التبشير بحركات المقاومة وأنظمة الممانعة، أي دور المجموعة الـ"ذمّية" المفتونة بسلاح تخشاه.

وكما في المرة الأولى، كذلك في المرة الثانية، جسّد البطريرك صفير تلك الظاهرة اللاهوتية ـ التاريخية التي نقضت هذه "المعادلات" التي زيّنت للمسيحيين خسارتهم لدورهم، وحاولت أن تقنعهم بجواز تبديل دور لبنان الحيويّ والحضاريّ في محيطه إلى دور آخر.

لذا، ومع كل تصريح، ومع كل زيارة يقوم بها البطريرك، لا سيما زيارته الرعوية الأخيرة إلى عكار، ثمة تجربة لاهوتية ـ تاريخية ملموسة وراهنة تراكم، وتشكّل هذه التجربة رافداً أساسياً لفكرة المناصفة، وللعبور إلى دولة المناصفة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل