اتسم كلام الرئيس السوري بشار الاسد عن سياسة "امتلاك الاوراق" بكثير من الواقعية التي لا يمكن تجاهلها في اطار رصد الاستعادة التدريجية للموقع السوري اقليمياً ولبنانياً في الحقبة الاخيرة.
واذا كان جوهر ما يعني اللبنانيين من كلام الاسد، خصوصا في توقيته عشية استقباله للمرة الثانية الرئيس سعد الحريري، المطابقة ما بين سياسة تجميع الاوراق والايجابية المباشرة في نفي الفتور او التراجع في علاقة الاسد بالحريري، فان ذلك يقود حتما الى الاستدلال ان كلام الرئيس السوري اطلق رسالة ثلاثية البعد لا بد من معاينة معالمها في تبين الرسم التقريبي للمشهد اللبناني في الآونة المقبلة.
هذا الكلام يعكس اولا ثبات التفاهم السوري – السعودي، اقله حتى الآن، حول الشأن اللبناني وعدم اهتزازه تحت وطأة الاختبارات الاخرى، عراقية كانت او سواها، على ما كان يخشى انصار هذه المظلة الثنائية لاستمرار الواقع اللبناني على حاله، او على ما كان يأمل معارضوها في انهيارها لتبديل هذا الواقع. وبذلك تظهر المظلة السورية – السعودية انها التقاء مصالح اكبر منها رفقة طريق أملاها توقيت اقليمي معين.
ثم ان كلام الاسد يعكس ثانيا عودة ضمنية على المستوى اللبناني الى "رعاية" علاقة مباشرة مع ثلاثي الحكم، اي رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس ورئاسة الحكومة، كورقة زائدة اضافية كانت فقدتها دمشق في السابق. فاذا كانت الاضواء قد سلطت على ايجابية الاسد حيال علاقته بالحريري، فان جانبا آخر يكتسب دلالة في كلامه عن الحوار اللبناني. وهذا الكلام يمحض الرئيس ميشال سليمان ضمنا دفعا تشجيعيا، ربما بعد التجربة المموهة التي تعرض لها عقب زيارته للولايات المتحدة. الرئيس سليمان افرط مذذاك في مدح المقاومة وتثبيت شعار "الدولة والمقاومة والشعب"، ويمكن ادراج كلام الاسد عن الحوار، وهو "المؤسسة الرئاسية" الرديفة، كرد ايجابي سوري على هذا النهج.
أما البعد الثالث فهو يتصل بـ"الورقة" السورية في نسيج السياسة اللبنانية. يقول الرئيس الاسد إن ثمة اطرافا متضررين من عودة الوئام بين لبنان وسوريا او بينه وبين الرئيس الحريري. معنى ذلك ان كلاما كهذا "حمّال أوجه" يمكن ان يسوقه خصوم سوريا التقليديون ضد حلفائها او بعضهم، كما يمكن حلفاء دمشق ان يسوقوه ضد صقور قوى 14 آذار. وفي كلا الحالين يجري تغييب سوريا نفسها عن اي مسؤولية في تموجات العلاقة التي يعاد بناؤها، إن سلبا وإن ايجابا. واقع الحال ان هذه النقطة في الخطاب السوري تبدو موغلة في الاستعادة الكلاسيكية التي رافقت ولادة ملف النفوذ السوري ووصايته على لبنان منذ اليوم الاول قبل اكثر من ثلاثة عقود. غالبا ما تخفَّت سوريا وراء الانقسامات اللبنانية، ولم تعترف مرة بمسؤوليتها الاكبر عن تغذية هذه الانقسامات لتمديد غير قابل للصد لسطوة هذا النفوذ قبل اي عامل آخر. ولا يختلف الامر حاليا سوى في تغيير الوسائل او الانماط تماشيا مع المتغيرات الجذرية التي طرأت على لبنان وسوريا عقب الانسحاب السوري القسري من لبنان قبل خمسة اعوام.
في سياق كلام الرئيس السوري نفسه عن امتلاك الاوراق، سيكون صعبا بطبيعة الحال عدم التساؤل عن سر توقيت الايجابية المتصلة بالابعاد الاقليمية للنواحي الايجابية، ولماذا لم يكن كلام مماثل قبل شهر او شهرين تقريبا. أليس ذلك ايضا "ورقة" اضافية، فيما ترمى على اللبنانيين وحدهم تبعة صناعة "ثوب الدولة" عندهم؟ وهل يمكن التنكر للمسؤولية المباشرة التاريخية لسوريا في تقرير وجهة "مشروع الدولة" في لبنان؟ وإلا فما معنى وجود "متضررين" بين حلفاء او خصوم سوى التأكيد ضمنا ان سوريا تريد وحدها الاستئثار بمهمة "الترقيع" الأبدية؟