دقّوا على الخشب. تبدو بيروت في هذه الأيام وكأنها أخذت تستعيد بعضاً من تقاليدها وعاداتها وأدوارها الغابرة، التي غطّاها غبار الحروب والأزمات المتلاحقة بطبقة كثيفة من النسيان.
حتى لكادت تكون عاصمة بلا تاريخ، بلا ماض، بلا تراث، من الازدهار والتألَّق في كل الحقول والميادين.
وإذا بها كطائر الفينيق تنبعث من رمادها، وكلها عزيمة لاستعادة ذلك الحضور المميَّز في شتى انواع الابداع والعطاء والتميّز.
فخلال أشهر معدودة، ووسط تقلّبات حادَّة في الوضع الاقليمي وانعكاساته على الداخل اللبناني، تشهد حركة محتشدة على كل الصعد. ومن مختلف الأرجاء والاصقاع العربيَّة والاوروبيَّة، يقابلها تحرك لا يهدأ لرئيس الحكومة سعد الحريري.
ومما يوحي أنه لن يكون من الصعب اكتمال عودة الطائر من البحر، مع عودة عاصمة العرب وستّ الدنيا الى ميدانها وحركتها الدائمة، والتي كانت في الستينات والسبعينات مضرب مثل. ومع بروز رغبة شبه جماعية في التمسك بالتفاهم والتوافق داخلياً، وخصوصاً في ظروف اقليميّة واقفة على صوص ونقطة.
ولن يكون من رابع المستحيلات اقتناع الأقطاب والمرجعيات والقيادات والتيَّارات بان المثل القائل "عند تغيير الدول احفظ رأسك" هذا أوانه وساعته في لبنان. ومن البديهي ان يتنبَّه الجميع الى ان المصالح الكبرى قد تتصادم مرَّة أخرى في المنطقة. وقد ينال لبنان حصَّته من الطراطيش والشظايا، على جاري العادة.
لقد دفع اللبنانيّون، بصورة عامة وخاصة، جماعات وزرافات ووحدانا، أثماناً باهظة وقاسية للغاية خلال تلك الجلجلة الطويلة التي سلكها البلد وأهله، بصحبة الموت والدمار والقهر واليأس والتفتُّت، وعلى وقع الهزات السياسيَّة العاصفة…
الوضع اللبناني الداخلي الآن، في هذه الحقبة، يمكن تصنيفه بكل تناقضاته وتنابذ شعوبه وقبائله في خانة الترقُّب والتريُّث، ريثما يظهر الخيط الأبيض من الخيط الاسود في صراعات المنطقة و"احتفاليَّة" شد الحبال والشعور حول برميل الاورانيوم الايراني.
والمَثَل يقول وينصح "لا تهز الواقف على شوار".
مَنْ مٍنَ الأكارم والاكابر والمراجع لا يعلم أنَّ المسألة اللبنانية، أو القصة اللبنانية ليست لبنانيَّة مئة في المئة. لا اليوم ولا منذ بدأت. ولن تكون لاحقاً في الآتي من الأيام إلا على الصورة ذاتها: تشابك الداخل مع الخارج، وترابط حلول الداخل مع حلول الخارج.
وقرار الانتقال بلبنان، و"قصته" الغريبة العجيبة، من حال الى حال يستوجب في الدرجة الاولى التزام أهل الصيغة والتركيبة والميثاق تسهيل المهمة غير المستحيلة المسندة بكل ثقلها وتبعاتها الى الرئيس الحريري، الذي تكاد تتحول الطائرة مقره ومكتبه.
فلا تنسوا، إذاً، أن تدقّوا على الخشب.