#adsense

البطريرك مار نصرالله صفير… “أيقونة الكنيسة المارونيّة”

حجم الخط

 

كتب رئيس أساقفة مطرانية بيروت المارونية المطران بولس مطر في “المسيرة” – العدد 1694

 

كان لي شرف مرافقة صاحب الغبطة والنّيافة مار بشاره بطرس الرّاعي الكلّيّ الطّوبى خلال زيارة خاصّة قام بها إلى قداسة البابا السّابق مار بندكتس السّادس عشر في مقرّ إقامته، ضمن حرم الفاتيكان حيث قرّر أن يخدم الكنيسة بصلاته بعد تنحّيه الطّوعي عن رعايته لها بصفته أسقف روما وخليفة القدّيس بطرس. حدث هذا الأمر منذ حوالي ثلاث سنوات. ويسرّني أن أنقل بعض الحوار الّذي جرى بين قداسته وبين غبطة أبينا السيّد البطريرك. سأله البابا بندكتس قائلاً: «كيف حال البطريرك صفير؟» وقد بدا لي عبر هذا السّؤال كم كان قداسته يحبّ هذا البطريرك الّذي سأل عنه بلهفة واحترام كلّيّين. أجاب غبطته قائلا: «إنّه بألف خير وهو يطلب بركة قداستكم». فعلّق قداسته على هذا الجواب بقوله إنّ البطريرك صفير هو «أيقونة الكنيسة المارونيّة».

وهل من شهادة أعظم وأبهى من هذه الشهادة بالبطريرك صفير تأتيه من حبر أعظم كان وسيبقى في الكنيسة من أكبر المعلّمين في تاريخها ومن أهمّ الشخصيّات التي زارت بلاد الأرز إلى جانب البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني الّذي أدخل في ضمير العالم صفة أطلقها على لبنان بقوله إنّه «أكثر من بلد، وإنّه رسالة للشرق وللغرب في آن معًا». ومن المعروف أنّ غبطة البطريرك صفير كان قد تنحّى قبل البابا عن خدمته البطريركيّة التي دامت في رعاية الموارنة أكثر من ربع قرن. وقد فرض بتنحّيه الطوعي هذا إحترام العالم له وعظم التقدير لرسالته كما لشخصه الّذي تميّز بالتواضع والكبر معًا، وبالمحبّة العظيمة لكنيسته وشعبه وللوطن اللبنانيّ الذي كان يحمله وديعة في قلبه وفي صلاته على الدوام. وقد ورد على ألسنة مسؤولين كبار في روما أنّ البابا بندكتس تأثر كثيرًا بتخلّي البطريرك صفير عن مسؤوليّاته الرعائيّة. وقد وصل هذا التّأثر إلى ذروته عندما زار قداسته لبنان والتقى بالبطريرك المستقيل في بكركي فرأى على وجهه هيبة ووقارًا كبيرين. فما كان من قداسته بعد عودته من زيارة لبنان وهي الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى خارج روما إلاّ أن أعلن إرادته بالتنحّي عن الخدمة البابويّة ليكرّس ما تبقّى له من العمر للصلاة من أجل الكنيسة ومن أجل العالم الذي تحبّه الكنيسة وتخدمه بأمر من ربّها ومؤسسها يسوع المسيح له المجد.

 

وإذا تسنّى لي أن أقدم شهادة شخصيّة بغبطة أبينا السيّد البطريرك صفير الّذي أعطاني الله أن أكون أسقفًا ونائبًا عامًّا له على مدى خمس سنوات امتدّت من 3 آب 1991 وهو تاريخ رسامتي الأسقفيّة في الديمان إلى الخامس عشر من كانون الأول 1996 وهو تاريخ تسلّمي مقاليد أبرشيّة بيروت الحبيبة، فإنّي أقول بأنّ الله قد وهبني في ذلك نعمتين كبيرتين، أن أكون أولاً أسقفًا وراعيًا في الكنيسة المارونيّة المقدّسة وأن أكون خادمًا لها طوال هذه المدّة بالقرب من بطريرك عظيم كان حلقة في سلسلة بطاركتنا العظام، كما هو خلفه اليوم صاحب الغبطة والنيافة البطريرك بشارة الراعي الكلّيّ الطوبى أطال الله عمره ليخدم الكنيسة والوطن على أقدس وجه. وقد كان متوكّلاً على ربّه كلّ التوكّل وعلى صلابة إرادته في القرار الذي اتخذه في أيّام بطريركيّته بأن لا تنكسر هذه الحلقة أبدًا، مهما عظمت الصعاب وكبرت الشدائد.

قال لي غبطته في صباح أول يوم عمل لي إلى جانبه: «لقد أردت أن تكون معي وبقربي، لا لتقول لي «نعم»، بل لتعطيني رأيك في كلّ ما أسألك عنه. وأنا أحترم رأيك. وأيضًا أطلب منك بعد أن نكون قد اتخذنا قرارًا كسلطة بطريركيّة أن يكون لنا تجاه هذا القرار موقف واحد». أجبت غبطته وأنا شديد التأثّر بما قال لي: «إنّي هكذا تصرّفت مع رؤسائي طوال حياتي وهكذا أتصرّف اليوم وغدًا أيضًا وإلى النهاية».

 

قبل ذلك لم أكن أعرف البطريرك صفير سوى معرفة ظرفيّة، وقد نشأت هذه المعرفة عبر زيارات كنّا نقوم بها إلى سلفه الصالح المثلّث الرّحمة البطريرك أنطون خريش. فكان ذلك الحبر المحبّ والبشوش والمستعدّ لكلّ خدمة كان يستطيع إليها سبيلاً. وقد صرف عمره الكهنوتيّ والأسقفيّ كلّه في خدمة الكرسيّ البطريركيّ من أيّام البطريرك المعوشي حتّى آخر أيّام البطريرك خريش. لكنّي فرحت فرحًا عظيمًا وقد توسّمت كبير التوسّم بالبطريرك الجديد مار نصرالله بطرس صفير عندما ألقى بعد انتخابه بطريركًا عظة شكر في كنيسة الصرح أمام الحاضرين من أساقفة وكهنة وعلمانيّين وقد جاء فيها: «إنّي ضعيفٌ، كما كان يقول الرّسول بولس عن نفسه، ولكنّي أيضًا وكما يقول الرسول بولس عينه، سأكون قويًّا بالّذي يقوّيني». فألهمني الله بعد سماعي هذه العظة أنّ هذا البطريرك الهديّة من العناية المقدّسة إلى كنيسته سيكون بطريركًا عظيمًا.

وفي ضوء هذا الإلهام، أمضيت إلى جانب البطريرك صفير وبمعيّة أخي العزيز سيادة المطران رولان أبو جوده، النائب العام الأول للبطريرك، السنوات الخمس التي بقيت خلالها في بكركي، زمنًا من أجمل الأزمنة التي تجمّعت في حياتي، ولا سيّما الأسقفيّة منها، وقد امتدّت هذه حتّى الآن إلى ثمان وعشرين سنة.

 

كنّا نبدأ النّهار معه برياضة السير على الأقدام لمدّة ساعة إلى ساعة ونصف في الأحراج المحيطة بالصرح البطريركيّ صعودًا ونزولاً. فتعرّفت إلى غبطته عن قرب، كإنسان رياضيّ بامتياز ومتمتّع أيضًا بروح رياضيّة بامتياز. لكنّ هذه العفويّة التي عرف بها، وهذه البسمة التي كانت تزيّن وجهه في كلّ حين ما كانت أبدًا لتزيل عنه الوقار الذي عرف به ولا هذه الرهبة التي كان يوحي بها إلى الناس جميعًا. فأنت لا تستطيع معه أن تسير ولا أن تتصرّف إلاّ بالحقّ والحقيقة، لأنّه من المستحيل أن يرضى عنهما بديلاً. وبعد هذه الفسحة الصباحيّة كان يقيم الذبيحة الإلهيّة ويأخذ بعض الطعام لينصرف بعدها إلى عمله الخاصّ ومن ثمّ إلى إستقبال النّاس الذين كانوا يتوافدون إليه دون انقطاع، من الصّباح حتّى المساء. وما يبقى له من الوقت وبخاصّة بعد الظهر وفي المساء كان يقضيه لصلواته وللكتابة التي كان سيّدًا في مجالها، ضليعًا في رصفها بالعربيّة وبالفرنسيّة على حدّ سواء. أمّا الإنكليزيّة فقد كانت كافية عنده ليعبّر فيها عن أفكاره أمام زوّاره الأجانب كبارًا وصغارًا. بالحقيقة كان البطريرك صفير ناسكًا في ديره على غرار الآباء القدّيسين في صوامعهم. فما كان يخرج من الدير سوى نادرًا جدًا أو لسفر إلى الخارج. وقد لفتني أنّه يوم وفاة شقيقة له خرج من الصرح إلى البيت الذي كانت فيه فصلّى عليها وودّعها وبعد ذلك أرسلني لأنوب عنه في صلاة الجنازة بعد الظهر لأنّه ما أراد أن يكون لأهل بيته الخاصّ أكثر ممّا هو لأبنائه جميعًا. فقلت أيضًا وأيضًا في نفسي أنّه بطريرك عظيم.

لكنّ هذا الرجل المتواضع، الذي لا يسمع أحد صوته يعلو، ولا في ظرف من الظروف إلاّ ما ندر، كان هو هو الرجل الصلب الذي لا يحيد عن قناعته ولا يتغيّر عنده أيّ مبدأ حتّى ولو انقلبت الدنيا كلّها رأسًا على عقب. كان يريد أن تخرج سوريا من لبنان ليس لأنّه لا يحبّ سوريا بل لأنّ الجار يجب أن يكون في بيته وأن يكون ابن الدار أيضًا حرًّا في بيته. وعندما كانوا يقولون له لماذا لا تذهب إلى سوريا حتّى لملاقاة البابا يوحنا بولس الثاني فيها كان يردّد: «أنا لن أذهب إلى سوريا إلاّ إذا أخذت معي جميع الموارنة وجميع اللبنانيّين». وما كان عندنا أيّ شكّ أنّه كان يريد الخير لسوريا كما للبنان. فالرجل كان وطنيًّا بامتياز لكنّه أيضًا كان رجل الله بامتياز، ورجل الكرامة والحقّ لجميع الشعوب دون تفرقة ولا تمييز.

 

قد تطول بي الشهادة هذه إلى أبعد الحدود. لكنّي في النهاية أعود إلى كلمة البابا بندكتس التي قال فيها إنّ البطريرك صفير هو «أيقونة الكنيسة المارونيّة». أفلا تشير هذه الكلمة إلى كون الأيقونة تعكس في تلاميحها روحًا وحضورًا مقدّسين؟ الأيقونة هي  محاولة لكشف أسرار الله وقدّيسيه. وبهذا المعنى أيضًا أيقونة البطريرك صفير تعكس روح كنيسته وحقيقتها وجمالاتها المقدّسة. لقد أظهر هذا البطريرك العظيم محبّة فائقة لشعب الله وهي المحبّة التي أحبّنا الربّ بها دون حدود. وفيما يقارب غبطته بعمره المديد قرنًا من الزمن، نتمنّى له هذه الصحبة الدائمة التي يلتقي بظلّها على الدوام ربّه يسوع المسيح. ونسأله بوصفه اليوم جليس الله بامتياز أن يذكرنا بصلاته وأن يذكر كنيسته وشعبه ووطنه أمام الله الذي كان له الأول والآخر، وأن يبقى لنا جميعًا المثل والمثال والشفيع لدى سيّده له المجد والشكر إلى الأبد.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل