لقاء فرنجية – صفير في 14 آذار 1976

حجم الخط

كتبت “المسيرة” – في العدد 1694

لقاء فرنجية – صفير في 14 آذار 1976

فرنجية: لن أستقيل وهناك مخطط لأسلمة لبنان

 

في 11 آذار 1976، حصل إنقلاب العميد عزيز الأحدب ببيان قرأه عبر التلفزيون وطالب فيه باستقالة رئيس الجمهورية سليمان فرنجية. الإنقلاب خلق إشكاليات وخلافات حتى داخل الجبهة اللبنانية بالنسبة الى طريقة التعاطي معه، وبالنسبة الى الموقف من إستقالة الرئيس قبل أن تؤدي هذه «الحركة» التي قام بها الأحدب الى إنقسام إضافي داخل المؤسسة العسكرية، بحيث أعلن العميد أنطوان بركات تأييده للرئيس فرنجية وانضمت إليه قطاعات عسكرية عديدة، وكان هناك في المقابل جيش لبنان العربي بقيادة أحمد الخطيب. في ظل هذا الإنقسام، أرسل البطريرك خريش نائبه المطران صفير الى القصر الجمهوري في بعبدا للقاء الرئيس فرنجية ومعرفة حقيقة موقفه من موضوع الإستقالة، خصوصًا أن بكركي كانت تلقت إتصالات ومراجعات من بعض القيادات المسيحية التي أرادت أن يتدخل البطريرك لإقناع فرنجية بالإستقالة.

في 14 آذار كان المطران صفير في القصر الجمهوري في بعبدا يقابل فرنجية الذي أعلن تمسكه ببقائه في منصبه مبديًا تخوفه من مخطط لأسلمة لبنان، ومتسائلاً عن ضمان عدم إنتخاب رئيس مسلم للجمهورية لو قبل هو أن يستقيل. وسرد أمام صفير مسلسل التنازلات التي تم تقديمها والتي لم تؤدِّ إلا الى طلب المزيد من التنازلات الإضافية. وقد بدا لصفير أن فرنجية يستند الى دعم الرئيس كميل شمعون في رفض الإستقالة، بينما كان الأباتي شربل قسيس والمحامي شاكر أبو سليمان والشيخ بيار الجميل أقرب الى المطالبة بقبولها.

هذا اللقاء لم يكن يتيمًا. في 27 آذار 1976، وبناء على طلب الرئيس فرنجية، إنعقد إجتماع في بكركي ضمه الى أركان الجبهة اللبنانية والبطريرك خريش والمطران صفير لمتابعة البحث في الموضوع، وتم التوافق على مواجهة طلب الإستقالة بخطة عمل تقوم على: وقف إطلاق النار، وتعديل المادة 73 من الدستور لانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل ستة أشهر من إنتهاء ولاية الرئيس فرنجية، وبعدها يبقى قرار إستقالة الرئيس ملكاً له «ساعة يرى ذلك مناسبًا».

بمناسبة الجدل القائم حول طلب الإستقالة من فخامة رئيس الجمهورية، على أثر الحكومة التصحيحية التي قام بها العقيد الأحدب، وإصرار الرئيس على عدم الإستقالة وتمسكه بالشرعية، أوفدني صاحب الغبطة البطريرك خريش لمقابلة فخامته للوقوف منه على حقيقة الأمر، ولأنقل إليه أن بعضًا من قادة الموارنة طلبوا من غبطته التدخل لدى فخامته لإقناعه بوجوب إيجاد حل للأزمة القائمة، وبالتالي باستقالته إذا كان في هذه الإستقالة ما يكفل عودة البلاد الى حالتها الطبيعية.

وقمت بالمهمة في الوقت والمكان المحددين أعلاه. وبعد التحية إنفرد بي فخامته، بعد أن استأذن زائريه، فذهبنا الى غرفة زجاجية في الطابق الأعلى من القصر، وبادرني بالسؤال عن غبطته فأجبته أنه كلفني أن أنقل إليكم تحياته وقلقه للحالة التي وصلت إليها البلاد. وهذا القلق أعرب له عنه بعض من وجوه الموارنة من بينهم الأستاذ شاكر أبو سليمان، رئيس الرابطة المارونية، والأباتي شربل قسيس والشيخ بيار الجميل الذي اتصل مساء البارحة بغبطته وسأله أن يقنع فخامتكم بالإستقالة، وهذا ما طلبه منه كذلك أبو سليمان وقسيس.

 

مخطط لأسلمة لبنان

وإذ ذاك قال فخامته: دعني أسرد لك ما قلته بالأمس للنواب الذين طلبوا مني أن أستقيل، لكي تنقله الى غبطته ليكون على إطلاع على ما جرى. قلت لهم إن الدستور لا يخوّلكم إقالتي. إنه يخوّلكم محاكمتي، فيمكنكم أن تحاكموني إذا كنت أجرمت بحق البلاد، وأنا مستعد للمثول أمام المحكمة الدستورية التي تشكلونها لهذه الغاية. ولكن ما عملت؟ إن ما تتخبط فيه البلاد هو على مسؤولية الحكومات المتعاقبة، وأنا كنت أول الشاكين منه. وأنا كنت أقول إن السيادة مفقودة على ثلثي الأراضي اللبنانية ولم يكن بإمكاني إصلاح الوضع لعدم تجاوب الحكومات معي. والآن تطلبون مني الإستقالة، فهل إذا استقلت ستصطلح الأمور؟ وبعد هل من يضمن لكم أن الأحدب لن يعلن نفسه رئيسًا؟ هل من يضمن لكم أنه يترك النواب ينتخبون الرئيس الذي يريدون أو هل يتركهم ينتخبون؟ فاستقالتي ستكون قفزة في المجهول، ولن أقدم على القفز في المجهول، وسأبقى في موقعي حتى آخر ساعة وبعد فليكن ما يكون. وها هو موقفي ولن أتزحزح عنه.

وبعد ذلك قال: إن هناك مخططاً «لأسلمة» لبنان. إن القذافي لا يمكنه أن يفهم أن يكون في لبنان موارنة ومسيحيون يعيشون على غير شرعة الإسلام، وهو منذ زمن يغذّي الفتنة فيه بالمال والدسائس. وهناك البعثان السوري والعراقي وكلاهما يريد أن يفرض نظام حكمه في لبنان، وهناك الشيوعية الدولية التي أفلست سياستها في البلدان العربية ولا سيما في مصر وسوريا حيث من جاهر بالشيوعية ألقي في السجن، وهناك الأحزاب الصغيرة من مثل الإشتراكية والناصرية وسواهما وكلها تريد قلب النظام في لبنان، وهذا ما نعاني منه منذ زمن بعيد ونحن نحارب في سبيل الوقوف في وجه هذه التيارات التي تكاد تجرف لبنان.

 

مسلسل التنازلات

وتابع فخامته قائلا: لقد تنازلنا عن الكثير. ولنعد الى بدء الحوادث في صيدا على أثر مقتل معروف سعد. لقد طُلب منا نقل المحافظ في الجنوب الأستاذ هنري لحود، وهذا يُعدُّ إضعافا للسلطة، فنقلناه على مضض ظناً منا أن الأحوال ستروق فلم ترق، ثم طلبوا منا أن ننقل قائد السرية في صيدا، وكان على رأس المطالبين إبن معروف سعد، فترددنا بعض الوقت لما في ذلك من إنتقاص للسلطة، ولكننا وافقنا على نقله، ولم ترق الأحوال، ثم اجتمع المسلمون وفرضوا علينا إتخاذ رشيد كرامي رئيسًا للحكومة، وهذا مطلب لا شأن فيه للدستور، فجارينا المسلمين وجاء رشيد كرامي رئيسًا للحكومة، وظلت الأحداث تتفاقم، وبعد ذلك طلبوا إقالة قائد الجيش اسكندر غانم، وطلبنا إليه ذلك قائلين: سنضحي بك يا حضرة العماد في سبيل العودة بالبلاد الى الهدوء، فقبل ذلك بطيبة خاطر، وغاب برهة وعاد باستقالة خطية قدمها لنا بكل بساطة. والآن يريدون رئاسة الجمهورية، فهل استقالتي ستهدئ الأحوال؟ لقد تنازلنا عن الكثير ولم تهدأ هذه الأحوال. إن استقالتي ستكون قفزة في المجهول. ومن يضمن لنا أن رشيد كرامي لن يرشح نفسه للرئاسة ويجد من النواب من يصوّتون له، فنكون قد فقدنا آخر ضمانة لنا؟ ترى هل الموارنة يرضون أن يعيشوا مثل الأرثوذكس في سوريا أو أي بلد عربي؟ إذا كانوا يرضون بذلك، فهذا يعود إليهم وبدرجة أولى الى من هو المسؤول الأول عن الموارنة وهو غبطة البطريرك.

 

مطلوب موقف

إن مفتي الجمهورية قطع رحلته في البلاد العربية ليعود الى لبنان ليتابع الأحداث وتطوّرها فيه، وألغى رحلته الى فرنسا ويحب لبنان أكثر من كل اللبنانيين، وبكركي تحتفظ بصمت مطبق حيالها، وقد زارني منذ يومين باسم غبطته سيادة المطرانين زيادة وأبو جودة، وتحدثنا عن هذه الأمور لكن هذا غير كاف. والأباتي قسيس زارني بعدهما صحبة رئيس الرابطة المارونية، فصرح الأول تصريحًا لا يرضي. وقال الثاني: نحن دائمًا متفقون مع فخامته ترى علام نحن متفقون؟

فأجبت فخامته: أريد أن أوضح أمرا وهو أن غبطته غير غافل عما يجري وهو حافظ على الصمت لأن بعضًا من وجوه الموارنة طالبوا منه تأييد الحركة التصحيحية (سعيد عقل) فرفض، وغيرهم طلبوا منه إقناع فخامتكم بالإستقالة (أبو سليمان والقسيس والجميل) ولهذا أوفدني إليكم وبناء على طلبهم وهو مع الشرعية، ولكنه يتساءل مع الكثيرين ماذا بقي من الشرعية بعد أن فقدت الدولة السيادة على ثلثي الأراضي اللبنانية، وبعد أن شلت حركة البلاد، وبعد أن تفكك الجيش. وبعد هل من المأمول أن تستطيع فخامتكم الثبات حتى نهاية الولاية؟

وهل هناك قوة عسكرية كافية لقمع الجنود المنفصلين وعلى رأسهم (الضابط الفار أحمد) الخطيب؟ فأجاب: الجيش تفكك نعم، وقد التحق بالخطيب نحو ألفي مقاتل، وبالمقدم (أنطوان) بركات نحو ألفين وهو موالٍ لنا وبقي مع القيادة ومع الأحدب عناصر قليلة بحيث أصبح هناك ضباط من دون جنود. وعلى كل قال بعضهم قبل الأحداث إن المسيحيين لن يثبتوا أمام الهجوم إلا بضعة أيام وقد ثبتوا حتى النهاية ولم يتقدم المهاجمون ولو مترًا واحدًا هنا في بيروت ولا في زغرتا وكانت نسبة الضحايا واحدًا على عشرة لصالحنا. وهذا آخر حظ لنا، فإذا كبونا خسرنا المعركة الى الأبد، فنكون قد أضعنا ما قضينا مئات السنين في اكتسابه والمحافظة عليه.

 

استقيل ولكن…

وبعد أخذ ورد وتقليب وجوه الرأي وتأكيد فخامته أن أكثرية المسيحيين بجانبه لا سيما شمعون والجميل قال: إذا استدعى غبطته هذين الإثنين والأباتي قسيس وجمعوا رأيهم على استقالي، فإني أستقيل في اليوم الثاني، بعد تبلغي هذا الإجماع. وبعد جولة في الحديث أوصلتنا الى الوثيقة التي أقرتها سوريا وصار الإتفاق عليها بين فخامته والرئيس السوري (حافظ) الأسد يوم زار الأول دمشق، قال: إذا استقلت ما سيكون مصير هذه الوثيقة التي تحفظ لنا القليل القليل من الضمانات التي كانت لنا؟ فليبدأوا بإقرار الوثيقة أولاً فنكون واثقين أن من ينتخبه النواب سيكون مارونيًا وليكن أيًا كان إده أو سواه فسيظل يحمل بين جوانحه عاطفة لبنانية تمنعه من التضحية بهذا البلد. وسألته إذ ذاك لماذا لم تساعد سوريا على تصديق الوثيقة مع النواب الذين يتقيّدون بها؟ قال هذا أمر لم نبحث به معها. فتابعت قائلاً: إذا توفر مسعى بغية إقرار الوثيقة في المجلس، فهل تصرون فخامتكم إذ ذاك على عدم الإستقالة؟ فقال: إني أستقيل فورا وأنا لست متشبثاً بالرئاسة لمجرّد العناد، لكني أعتبر نفسي مسؤولاً عن مصير لبنان وعن ضمانات تتمتع بها طائفتي المارونية، ولا أريد أن يُقال يومًا إني كنت سببًا في إضاعة هذه الضمانات.

وسألته: ألا تستطيع سوريا أن تساعد على تهدئة الوضع في لبنان بقمع حركة الخطيب؟ قال: الخطيب وراءه الفلسطينيون ولا سيما «فتح»، وعندما أرادت سوريا أن تعمل على تصديق الوثيقة أوجدت «فتح» القلاقل لتمنع تصديقها. فقلت: فاوضتم فخامتكم السوريين على أساس أنهم يمثلون المسلمين في لبنان والفلسطينيين، ترى ألا يستطيعون إجبار الفلسطينيين على الموافقة على تصديق الوثيقة؟ قال: لا ولكن يستطيعون إذا حاربوهم وهم لا يريدون أن يدخلوا الآن في حرب معهم. والفلسطينيون يقومون بهذه العراقيل بعد ما فقدوا من معنويات في اتفاقية سيناء، وقد قال عرفات: سأرمّد لبنان وكان له ما أراد. وإني أسأل الله أن يمنّ عليّ بأن أذيع مكالمة هاتفية جرت بين عرفات وصائب سلام وهي مسجلة بصوتيهما. قال سلام: هل اطلعت على خريطة التقسيم التي وضعها الأخ طوني فرنجيه وسونيا؟ قال عرفات: نعم. قال سلام: غدا سنتصرف بقسمتنا كما نريد.

وقد بدا من خلال الحديث أن فخامته يتّكل على تأييد شمعون الذي على قوله، هو متفهّم الوضع كل التفهم، وعلى الجميل وقد سحب ورقة فيها تصريح له يؤيد فيه الشرعية.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل