#adsense

عقيدة كوريا الشمالية تفرض على لبنان

حجم الخط

تلغي التفوّق التكنولوجي للعدو باسم الأيديولوجيا وتحارب المثقفين
عقيدة كوريا الشمالية تفرض على لبنان

تجري، بعد عشر سنوات على تحرير الجنوب، محاولة لترفيع معادلة "الجيش الشعب المقاومة" إلى منزلة عقيدة أيديولوجيّة رسميّة للبنان، وعلى أساس أنّه يمكن فرضها كمعادلة رسميّة من دون إجماع.

هذه المعادلة واردة، إنما بترتيب آخر في البيان الوزاري. فيه تؤكّد "الحكومة حق لبنان، بشعبه وجيشه ومقاومته، في تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا" تماماً مثلما تؤكّد التزام قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 بمندرجاته كلها". وبما أنّ البيان الوزاري يعي حجم التباين بين التأكيدين، فهو يضيف إليهما تأكيد العمل على رفع التباين، أي "العمل لتوحيد موقف اللبنانيين من خلال الإتفاق على استراتيجية وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه تقرّ في الحوار الوطنيّ". البيان الوزاري لا يحدّد إذاً عقيدة أيديولوجيّة رسميّة للبنان، وإنّما يتبنّى "المقاومة" (كثالثة ثلاثة وكتفريع عن حق لبنان) والـ 1701 معاً، وينقل البيان هذا التناقض إلى طاولة الحوار للبتّ فيه.

إذاً، يعد ترفيع معادلة "الجيش الشعب المقاومة"، تجاوزاً للبيان الوزاريّ كما لطاولة الحوار على حد سواء. البلد الذي لم ينجح في الاهتداء إلى إستراتيجية دفاعية لحمايته تفرض عليه الآن عقيدة إيديولوجية تريد أن تتخذ لنفسها صيغة رسميّة.

هي عقيدة غير مكترثة بتحقيق "الإجماع"، ما دام كل إجماع نسبيّاً، لكنّها تعتبر أنّه من حقّها أن تنسب صفة الرسميّة لنفسها، لا بل صفة الأكثريّة الشعبيّة، دون أن تكون الصفة الأولى مُقرّة حقّاً من طريق المؤسسات الدستورية، ودون أن تكون الصفة الثانية مُقرّة حقّاً من طريق صناديق الإقتراع، إذ إن الأكثرية التي خرجت بها نتائج انتخابات 2005 و2009 كانت مغايرة تماماً، مع أنّ الإستفتاء كان، لا سيّما في انتخابات 2009، حول "المقاومة".

لكن ما هو جذر هذه العقيدة الأيديولوجيّة الرسميّة التي تقترح على لبنان بشعبه، أي بكافة طوائفه؟ ربّما لن نجد لها مثيلاً في بلدان المنطقة، بما فيها تلك الحليفة لـ"قوى 8 آذار". النموذج الأيديولوجيّ الوحيد الذي يمكننا أن ننسب معادلة "جيش شعب مقاومة" إليه، هو عقيدة "زوتشيه" الرسمية في كوريا الشمالية.

تقوم عقيدة "زوتشيه" أيضاً على وحدة الشعب والجيش والحزب، وعلى عبادة الفرد الزعيم كمعيار لتكثيف وتصعيد هذه الوحدة. في أيّام الحرب الباردة، كانت عقيدة "زوتشيه" تعتبر نفسها "تطويراً خلاقاً للماركسية اللينينية"، ثم ابتداء من السبعينيات صارت تحذف أكثر فأكثر الإشارات إلى الماركسية اللينينية في أيديولوجيا كوريا الشمالية، ويجري الكلام فقط عن عقيدة "زوتشيه"، حتى إذا انتهت الحرب الباردة حذفت الماركسية اللينينية نهائياً من الدستور الكوري الشمالي، وبقيت تلك العقيدة، وصار المتخصصون بشؤون أيديولوجيا النظام الكوري الشمالي يتحدثّون عن أيديولوجيا لا علاقة لها بالستالينية إلا بشكل ثانوي، وهي أقرب ما تكون إلى خلطة فيها عناصر فاشية، وملكية، وتكافلية، وثيوقراطية، وعسكريتارية، وستالينية. هذا وكانت كوريا الشمالية بحاجة إلى الإضافة الفذّة على عقيدة "زوتشيه"، من خلال الإبداع النظريّ لعقيدة "سونغون" عام 1995، التي تلغي تماماً أي إشارة إلى الطبقات الإجتماعية لصالح تمجيد "الجيش الشعبي".

أمّا العقيدة الأم زوتشيه، فتنقسم إلى فروع ثلاثة: الإستقلال في السياسة (شاجو)، وتجد تعريبها في معادلة "حزب الله" الأخيرة (ليس المطلوب أن نراهن على إتصالات مع الخارج لكن لا مانع أن نجريها)، واكتفاء ذاتي في الإقتصاد (شارب، باللغة الكورية) وهي النموذج المثالي بالنسبة إلى المفكّرين الإقتصاديين اللحوديين، والدفاع الذاتي في الدفاع الوطني (شاوي، باللغة الكورية)، ويمكن الإستفسار عن بعض من العقيدة الأخيرة لحسم طاولة الحوار في شأن الإستراتيجية الدفاعية.

من السمات التي تتحلّى بها "عقيدة زوتشيه"، وكما يظهر سواء في السلوك الأيديولوجيّ أو السياسيّ الكوريّ الشماليّ، هي قلب معادلة "التفوّق التكنولوجيّ". لا يجهل أحد في الدنيا أنّ كوريا الجنوبية هي المتقدّمة تكنولوجياً وهي المجتمع الذي عمّم اقتصاد المعرفة على شعبه أكثر من جارتها الشمالية. مع ذلك فإن المعادلة مقلوبة أيديولوجياً من طرف الشمال.

فبدلاً من اللحاق العلمي التكنولوجي الفعلي بجارتها الجنوبية، تعتبر بيونغ يانغ أنّه يمكنها الإكتفاء بصناعة الصواريخ، وتمجيد صناعة الصواريخ، ومحاولة الضغط على جارتها الجنوبية كما على العالم، من هذا الباب، لتمرير مساعدة من هنا، وإغاثة من هناك. وفي مواسم معينة، يجري إطلاق بعض الأقمار الصناعية، المجهّزة بأناشيد حماسيّة للزعيمين كيم إيل سونغ، وكيم جونغ إيل. يقال إنّ بعض هذه الأناشيد موجّهة لأبناء المجرّات الأخرى. لعلّ وعسى.

يحصل مع "حزب الله"، ومن ضمن معادلة "الجيش الشعب المقاومة" الشيء نفسه. بدلاً من اللحاق العلمي التنكولوجي الفعلي، الأساس الماديّ الوحيد لتحسين شروط المواجهة الحضارية بالنسبة إلى العرب، يتم الإكتفاء بالقلب الأيديولوجيّ لمعادلة "التفوّق التكنولوجيّ". ونصبح في الحرب المتفوقين تكنولوجياً لا إسرائيل. وإذا كانت كوريا الشمالية تقلب معادلة "التفوّق التكنولوجي" من خلال تصنيعها للصواريخ، وتمجيد هذا التصنيع، فإنّ ما يقترح على لبنان هو تمجيد إستيراد الصواريخ، ومنها صواريخ كوريّة شماليّة، بل أكثرها صواريخ كوريّة شماليّة معدّلة بعض الشيء، أو مستعاض عن أسمائها الكورية بأسماء مقابلة في اللغة العربية.

أقل ما يقال في القلب الأيديولوجيّ لمعادلة التفوّق التنكولوجيّ بحيث نصبح نحن المتفوقون وأخصامنا المتأخرون علمياً وتكنولوجياً هو أنّها معادلة لا تعيننا ولا تدعونا أصلاً لا للنهوض العلميّ ولا للنهوض الثقافيّ، ولا تقيم وزناً لتشابك الخبرات العربية لأجل هذا النهوض، ما دامت تعتبر أنّ هذا التشابك يفترض السلم من شروطه، وهي لا مصلحة لها في السلم، ولا في الحرب أيضاً لها مصلحة، وإنّما في بناء حالة على الطريقة الكورية، هي حالة "المجتمع المقاوم".

منذ انتهاء حرب الكوريتين، والنظام الكوريّ الشماليّ يعمل على تدعيم نموذجه لـ"المجتمع المقاوم". المثقفون هم بالنسبة إليه الأعداء. البعض يحلم باللجوء إلى سفارة كوريا الجنوبية في بكين. أكثرهم لا يصل. الحالة ما تزال أفضل بكثير في لبنان. لكن في لبنان أيضاً هناك من يقول "لبعض المثقفين والكتاب والصحافيين والعالم العربي انظروا معلمتكم ماذا تقول". هذه نفحة من عقيدة "زوتشيه"، التي نستطيع القول إن "الإجماع الكيانيّ الميثاقي" للبنان يرفض استيرادها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل