#dfp #adsense

قليل من الحياء ؟!

حجم الخط

قليل من الحياء ؟! 

راجح الخوري

 

والآن يهبُّ فصل جديد من فصول “العصفورية الدستورية”، على الوسط السياسي في لبنان على خلفية حسرة نافرة في أوساط المعارضة تأتي مشوبة طبعا بعنصر المفاجأة الصاعقة التي تتمثل في استعداد الاكثرية المعلن لتعديل الدستور لمصلحة انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.

 

في مقدم هؤلاء الذين يزعمون أنهم يقفون حراساً على أبواب الدستور الذي جعلوه مع غيرهم طبعا خرقة ممزقة، أولئك الذين يذرفون الدموع على فراغ رئاسة الجمهورية ويرون في الامر انتقاصا من حقوق الموارنة والمسيحيين. ومن المعروف ان ذهاب هؤلاء بعيدا في جعل الدستور مطية لأغراضهم وحساباتهم السياسية الضيقة، هو الذي أدى عمليا الى تعطيل جلسات الانتخاب جلسة بعد جلسة والى تفريغ مقام الرئاسة من الرئيس.

 

والذين أقاموا في الايام الماضية مناحة على فراغ رئاسة الجمهورية وخصوصا المسيحيين منهم وحاولوا تلبيس خصومهم السياسيين في الاكثرية هذه المسؤولية دافعين بالتأجيج المسيحي والماروني الى مداه ضد السنّة والدروز بلا وجل ولا تردد ولا تهيّب ولا حياء، هؤلاء تحديدا هم الذين عملوا ما لا يُعمل وسهروا على أن لا يتم الاستحقاق حتى ولو صرنا في فراغ الرئاسة المارونية، لأنهم كانوا وما زالوا يتصرفون على قاعدة “الحفر والتنزيل”، أو وفق “نظرية” ان ليس لهذا الكرسي إلا هذا الجالس!

 

كان العماد ميشال سليمان ورقة المعارضة في قواها الاساسية للمعركة الرئاسية، لم يكن مظهر الامر مريحا له لأنه حرص على ان يبقى في مواقعه الوطنية الجامعة. وعندما ارتفعت الاصوات بعد خروج اميل لحود متحدثة عن دور الجيش في حفظ الامن ومن يكلف المؤسسة بدورها هذا الاجراء الهمايوني الذي اتخذه لحود أم الحكومة التي انتقلت سلطاته اليها، قال قائد الجيش كلمة لها مغزاها العميق بعد أمر اليوم الواضح والصريح لمناسبة عيد الاستقلال قال: “الجيش يقوم بمسؤولياته بـ”تكليف وطني”.


كان يريد التوضيح أن شأن الوطن يتقدم على رغبات السياسيين المتخاصمين. ربما لم يتنبه أحد الى مغزى هذه الكلمة، لأن الجميع غارقون في المنازعات السياسية والحسابات.

 

لقد قيل ان أهل 14 آذار وخصوصا في لونهم السني يريدون الفراغ لجعل صلاحيات رئيس الجمهورية عند الحكومة التي يرأسها فؤاد السنيورة المدعوم أميركيا، وأن الامر سيطول وأن هناك حاجة الى قيام مناحة على حقوق المسيحيين، وأن كل ما يقوله النائب سعد الحريري والرئيس السنيورة وأهل 14 آذار عن ضرورة استعجال انتخاب رئيس جديد انما هو من قبيل المزاعم والاكاذيب!

 

لقد قيل هذا الكلام، وقيل أكثر منه وخصوصا عندما بدا أن هناك من يمتعض لمجرد صعود السنيورة والحريري الى بكركي لتطمين البطريرك نصرالله صفير الى ان الهدف الاساس سيبقى السعي لانتخاب رئيس في أقرب وقت، بعدما عطلت المعارضة النصاب لانتخاب رئيس جديد وفي صفوفها نواب مسيحيون وموارنة عطلوا النصاب ويلطمون الخدود الآن على الفراغ والحقوق المسيحية.

 

كان الأحرى بالذين امتعضوا ان يرتاحوا أولا لأن الوقوف السني على خاطر بكركي يدعم أسس الوحدة الوطنية، وثانيا لأن الحرص على انتخابات رئاسية مبكرة يطمئن المسيحيين وخصوصا أولئك الذين يجري حقنهم بمشاعر وأفكار لا تخدم روح الوحدة الوطنية.

 

عندما أعلن ان الاكثرية لا تمانع في تعديل الدستور لمصلحة العماد سليمان نزلت الصاعقة على رؤوس الكثيرين في المعارضة واعتبروا الأمر مناورة رغم ان الرجل هو مرشحهم أصلا. ولكنهم استهولوا ان تظهر الاكثرية في موقعها الحقيقي كأم الصبي التي تريد انقاذ الوضع وانهاء الفراغ ومعالجة الازمة وانتخاب رئيس يجمع الكل على دوره الوطني وما قدمه من امتحانات في سهره على الامن ووحدة الارض والشعب.

 

وهكذا تم استحضار أقنعة الدستور كذريعة للتعطيل أو بالاحرى كمحاولة للبحث عن دوره في هذا الترشيح والاختيار.

الاكثرية كسبت أريحية قبول التعديل الدستوري لمصلحة قائد الجيش ونحن في المعارضة نحاول أن نكسب ولو بعد مماحكة قبول آليات التعديل.

 

قيل أولا والكلام منشور وبالاسماء ان المجلس ليس أكثر من هيئة ناخبة لا تستطيع تعديل الدستور وأن الحكومة غير شرعية ولا دستورية وهي عاجزة عن اقتراح التعديل. وبدا الامر محاولة استعجال محمومة لاقفال الطريق على سليمان وحرمان الاكثرية من الظهور مظهر الحريص على انتخاب رئيس واعادة الدور الى المسيحيين والموارنة تحديدا.


ثم بدأت “الحوربة السياسية” في المسألة الدستورية والدستور صار ممسحة أو وجهة نظر الى درجة أنه عندما قيل للمعارضين الذين كانوا يدعون اميل لحود الى تشكيل حكومة ثانية او تمديد بقائه في القصر الجمهوري، ان هذه الدعوات تناقض الدستور ردوا بالقول:


أبدا. ان الضرورات تبرر المحظورات!

ولكنهم كانوا قد ذهبوا بعيدا في كل أنواع المحظورات بتبرير وبلا تبرير.

ووسط الازمة القاتلة التي تواجه لبنان لا حاجة الى مثل هذه النظريات الهمايونية فتعديل الدستور مسار واضح وممكن ودستوري جدا. وسليمان لا يحتاج الى المحظورات لتبرير انتخابه.

 

وعلى الذين يبحثون الآن عن جائزة ترضية بعد موقف 14 آذار المؤيد لقائد الجيش أن يستحوا قليلا على الاقل لأن للناس عقلاً وذاكرة وعيونا! 

المصدر:
النهار

خبر عاجل