كتب جهاد الزين في "النهار": الملاحظة السياسية الرئيسية التي تولدت لدي بعد قراءة ورقة وزير الاتصالات، الخبير الاقتصادي شربل نحاس تحت عنوان "افكار لنقاش مشروع موازنة عام 2010" والتي نشرتها "السفير" كاملة الاسبوع المنصرم… الملاحظة الرئيسية هي ان النقد الصارم والحاسم للسياسات المالية والضريبية التي انتهجتها "الحريرية" في معظم العقدين المنصرمين لا يجد معادله بالصرامة والحسم نفسيهما في "الورقة" عندما يتعلق الامر بنمط ممارسة بقية الفئات الرئيسية من الطبقة السياسية اللبنانية كما اعيد تشكيلها بعد اتفاق الطائف… والتي كانت شريكة الحريرية العضوية والثابتة في السيطرة على القطاع العام.
بهذا المعنى، بقدر ما تكتسب "ورقة نحاس" اهمية كونها الاولى من داخل حكومة "حريرية" التي تأخذ بل تدعو الى مسافة عن السياسات المالية والضريبية التي ادت الى "اختلال" التوازن بين القطاعات الاقتصادية كما بين موارد الدخل المحلية والخارجية، مع اقتراحات ابرزها نقل تركيز الضريبة على الدخل والملكية (العقارية) لا على الاستهلاك، كما هي الآن، بقدر ما تبدو صامتة، او ربما عاجزة، عن الخوض التوصيفي والعملي الضروري لممارسات "الطبقة السياسية" في اغراق القطاع العام بكمٍ وظائفي زبائني لم يقدم الوزير نحاس اي برنامج لمعالجته بصفته مشكلة بنيوية ناتجة عن النظام السياسي برمته.
فإذا كانت "الحريرية" هي مهندسة اعادة ترتيب القطاع الخاص ووجهاته الخدماتية والعقارية ومحدوديته الانتاجية، فإن "الحريرية" هي طرف بين مجموعة اطراف اساسية جعلت القطاع العام حسب وصف "الورقة" كالتالي: "ان تشابك مهام الادارة العامة بين دورها التوزيعي (بطالة مقنعة، تقديمات اجتماعية مبررة وغير مبررة، آليات دعم…) وادائها للخدمات المطلوبة منها يؤدي الى ضغط شديد لتوظيف اللبنانيين في الوظائف الدنيا مقابل الاضطرار الى توفير منافع خاصة لاستجلاب الحد الادنى من اصحاب الكفاءات المهنية والفنية في الوظائف العليا"…
هذا الوصف "الناعم" – والمُجهَّلُ الفاعلَ بل الفاعلين – للزبائنية التضخمية في القطاع العام، والذي بات يلقي بعبئه الشديد على موارد الدولة، اي كعبء على المجتمع، لا يجد الحيز الكافي بل المطلوب بالمستوى نفسه الذي يجده "البرنامج" التدريجي الذي يقترحه الوزير في ما يتعلق بالسياسات المالية والضريبية.
هذا الخلل في "الورقة" قد يتجاوز قدرة الدكتور نحاس السياسية اولا كوزير من داخل الحكومة، ليس مألوفا اصلا من وزير ان يقول ما قاله في ورقته في حكومة يرئسها زعيم "الحريرية" الجديد، وثانيا لان طبيعة تشابك التحالفات تجعل الكلام الفعلي عن وضع القطاع العام، كبنية تضخمية وكنمط زبائني، مكلفا جدا على "الموقع" السياسي للكتلة التي اتت به الى هذه الحقيبة رغم ان امثاله لم يكن ممكنا ان يلعبوا هذا الدور بدون قرار زعيم "التيار الوطني الحر" الذي فرضه من "حصته"، فشربل نحاس، صاحب رؤية يسارية ذات التزام اجتماعي يسعى الى تحويل تعكسه "ورقته" من موقعه الوزاري نحو نوع من "يسار وسط" سياسي – اقتصادي ضمن هذا الهجين الطائفي الذي يدير نظاما قويا ودولة ضعيفة بل هشة.
الملاحظة الثانية والاقتصادية هي الغموض العام في الورقة (كما في البيان الوزاري للحكومة الحالية) حول ماهية القطاعات الانتاجية، بحيث لا اشارة ولو عابرة الى مشروع "انتاجي" بالمعنى الذي تريده الورقة وقبلا البيان، لا اقتراحات عملية الا ذلك المتعلق بتعزيز "قطاع النقل" بين بيروت وطرابلس. آن الاوان لاقتراحات محددة، لا سيما في مجال "الانماء المتوازن".
فعلى سبيل الحصر، شهد لبنان العقدين المنصرمين مشروعا كبيرا واحدا من النوع الذي يصلح ليكون احد نماذج "الانماء المتوازن"… لم تبادر اليه الدولة، وانما جاء من احدى التكوينات الكنسية في المجتمع. اعني "جامعة البلمند" التي لم توجد فقط مئات الوظائف من مستويات مختلفة بل تحولت الى مركز استقطاب سكني خارج العاصمة، اساتذة وموظفين وطلابا. وبحدود علمي، لا اعرف مشروعا "طبيعيا" بهذا المستوى "اللامركزي" الفعلي في لبنان، في ظل غياب مشاريع بهذا الحجم والتمركز في البقاع والشمال والجنوب، كمطار القليعات ومصفاتي الزهراني والبداوي المتوقفتين اصلا سوى كون بعض موجوداتهما التي لا تزال صالحة كخزانات طوارئ!
تبقى الملاحظة الثالثة، وهي سابقة على الورقة، وإن كان "هاجسها" موجودا فيها، اي تخفيض "كلفة الخدمات العامة" التي لم تحصل بعد، لا في الاتصالات ولا في الطاقة… ولا يزال لبنان حسب كارلوس سليم، احد اكبر المستثمرين في هذا القطاع في العالم، من اغلى البلدان في كلفة الاتصالات… فلماذا هذا العجز عن تغيير جذري في هذا القطاع… اذا اعتبرنا القطاع الآخر: الطاقة، ولا سيما الكهرباء، اكثر تعقيدا وصعوبة.
• • •
بالمناسبة، اعجبني تعبير ورد في الورقة في مجال الحديث عن الهجرة:
"… هكذا دواليك، حتى اصبحت اوستراليا، مثلا، اقرب الى شباب طرابلس والشمال من بيروت…".
هذه صياغة يرقى فيها الواقع الى مرتبة الشحنة الادبية!