"ولربما طعن الفتى أقرانه
بالرأي قبل تطاعن الأقران"
المتنبي
"إذا كان الخيار بين المقاومة والوحدة الوطنية فإننا نختار المقاومة" هكذا صرّح نواف الموسوي نائب حزب الله وحاول بعدها تلطيف تصريحه وأظنني أنه لو سئل في مناسبة أخرى لكان قال "لو خيّرت بين انتصار حزب الله والسلم الأهلي لاخترت الانتصار من دون تردد" وما حصل في السابع من أيار خير مثال. فهذه طبيعة الحزبيين حاملي العقائد، فالنصر بالنسبة لهم هو اهم من كل المثل العليا والحياة والسلم والاستقرار. ولكن الصفة الملازمة لهذا النوع من الحزبيين هي الجحود المطلق تجاه كل الجهود التي يقوم بها من هو من خارج معسكره حتى ولو استفاد منها حزبه. وكمثال صارخ هذا المقطع من ص 173 من كتاب "حزب الله" لنعيم قاسم: "نجح حزب الله بانتزاع تفاهم نيسان الخطي، الذي خرج الى النور مع إعلان وقف إطلاق النار في السادسة مساء 27 نيسان 1996، والذي يتميّز عن تفاهم تموز بأنه خطي، وله آلية متابعة من خلال لجنة المراقبة الخماسية، ويعطي مشروعية للمقاومة بإقرار العدو من خلال حق الدفاع عن النفس، والحديث عن تحييد المدنيين، وهو منسجم مع تفاهم تموز بالتاكيد على عدم قصف إسرائيل المدنيين والمنشآت المدنية في لبنان مقابل عدم إطلاق حزب الله لصواريخ الكاتيوشا واستهداف المدنيين في المستعمرات الشمالية.
لعبت إيران دوراً فعّالاً في المحادثات الجارية في دمشق من خلال وزير خارجيتها الدكتور "ولايتي"، ونجحت سوريا وإيران والمقاومة في إشراك فرنسا في لجنة التفاهم الى جانب لبنان وسوريا، ليكون المجموع خمسة مع أميركا وإسرائيل، ما يجعل مجموعة التفاهم متوازنة".
باختصار فإن الدور المحوري الذي لعبه الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد تم إغفاله بشكل متعمّد وتم التشديد على الدور الأساسي لإيران في وضع التفاهم. وهذا كما هو واضح للتأكيد على المدى الاستراتيجي لحزب الله بارتباطه العضوي بالقيادة الإيرانية، ولكن الأهم هو إنكار دور الآخرين وبالأخص الرئيس الشهيد في توظيفه لعلاقاته الواسعة لوضع هذا الاتفاق، وبالتالي إنشاء المعادلة لحماية المدنيين والمنشآت في لبنان.
هذا التصرف هو بالتأكيد دأب الحزبيين العقائديين الذي يقسم العالم الى معسكرين لا حالة وسطية بينهما، فإما "معنا" وإما "ضدنا"، وهذا ما يعني أن الخير لا يأتي إلا ممن هم "معنا".
وهذا هو التصنيف ذاته الذي ظهر في خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بمناسبة عيد المقاومة والتحرير حيث صنّف اللبنانيين بنوعين، النوع الذي يقبل بالأمر الواقع وهو استقلال سلاح حزب الله عن الدولة وارتباطاته الإقليمية تحت شعار المقاومة، وهو بالنسبة إليه القوم الأخيار وأشرف الناس الذين يجعلون لبنان منيعاً في وجه إسرائيل. والنوع الثاني هو الذي يرى أن كل عناصر القوة في لبنان من شعب وجيش ومقاومة يجب أن تكون تحت كنف ورعاية الدولة وأن أي ارتباطات بأحلاف دولية وإقليمية يجب أن تكون محصورة بسياسة الدولة، وهم الأشرار المتخاذلون الذين يكشفون لبنان أمام العدو الإسرائيلي.
وبالتوجه نفسه تم تصنيف العرب الى نوعين، النوع الذي يعتبر العنف هو الوسيلة الوحيدة لمقارعة العدو الإسرائيلي، وهم بالطبع الأخيار، أما النوع الآخر فهم أصحاب القرار الرسمي العربي المتمثل بالالتزام بالمبادرة العربية للسلام وهو بالطبع الموقف الرسمي للبنان ورئيسه. كما أن الالتزام الرسمي نفسه المتمثل بالبيان الحكومي الذي يتحدث عن معادلة الجيش والشعب والمقاومة، يفرض أيضاً الالتزام بالقرار 1701 الذي يلزم في أحد بنوده بخلو منطقة الجنوب من النشاط العسكري خارج إطار الجيش اللبناني والقوات الدولية، ومنع نقل السلاح خارج الإطار الرسمي. وهذا أيضاً دأب الحزبيين العقائديين بانتقاء الوقائع التي تفيد توجه الحزب باعتبارها رمزاً للخير، وإهمال ما لا ينفعها باعتبارها رمزاً للشر.
فهل مَن ينقذ لبنان بلد التنوع ألوان قوس قزح من واقع حصر الخيارات بين الأبيض والأسود.