العرب أمام فرصة إغراق اسرائيل في أخطائها
حكومة نتنياهـو تطلق النار عـلى نفسها وعلى أوباما
تعتقد مصادر ديبلوماسية في بيروت ان المأساة التي تسببت بها اسرائيل ضد "أسطول الحرية"، الذي كان ينقل مساعدات انسانية الى غزة المحاصرة، كانت بمثابة اطلاق حكومة بنيامين نتنياهو النار على نفسها، تماماً كما حصل بالنسبة الى جملة اخطاء ارتكبتها هذه الحكومة في الآونة الاخيرة. والمأساة اربكت اسرائيل الحكومة والشعب على حد سواء كما اربكت بدرجة موازية ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي ظهر على نحو واضح انه اسقط في يده من حيث عدم قدرته على الدفاع عن الخطوة الاسرائيلية في وجه خصومها المفترضين، اي سفن السلام، كما أحرجت الولايات المتحدة في موضوع بقاء غزة تحت الحصار. وهذا الاحراج كبير متى قورن بسعي الولايات المتحدة اخيرا او بالاحرى في مشاركتها في التصويت في الامم المتحدة على ضرورة انضمام اسرائيل الى معاهدة منع انتشار السلاح النووي وعلى عقد مؤتمر للبحث في تجريد الشرق الاوسط من السلاح النووي سنة 2012. ففي موضوع خطير وحيوي بالنسبة الى اسرائيل على هذا المستوى، لم تستطع الولايات المتحدة ان تجاري اسرائيل في حمايتها لهذا الجانب الذي يهم اسرائيل بمقدار جوهري واساسي جدا، الامر الذي يعني ان الادارة الاميركية عاجزة عن تقديم الدعم والحماية في موضوع انساني يتعلق بهجوم مسلح على قافلة انسانية تنقل مساعدات الى شعب محاصر. اضف الى ذلك ان الاحراج للادارة الاميركية هو في قدرة اسرائيل على تحييد الانظار عن محاولة واشنطن تركيز الاهتمام على اصدار قرار دولي بالعقوبات ضد ايران وتحويلها نحو غزة، الامر الذي يضر بجهود الولايات المتحدة المستعجلة جدا لاصدار هذا القرار ويفيد ايران الى حد بعيد.
وهذا الواقع مهم جدا من زاويتين استناداً الى المصادر المعنية نفسها. فهناك من جهة اخطاء الحكومة الاسرائيلية الكبيرة جدا والتي يمكن ان يستفاد منها والتي ينبغي معرفة الاستفادة منها وعدم تطيير المكاسب المتأتية منها، تماماً كما حصل في التداعيات السلبية على اسرائيل في عملية اغتيال القيادي في "حماس" محمود المبحوح في الامارات العربية المتحدة قبل اشهر، والتي ادت الى توتر العلاقات بين اسرائيل وعدد من الدول الغربية التي لم تخف استياءها من تزوير اسرائيل جوازات سفر لمواطنيها استخدمتها في العملية. فكان ان طردت بريطانيا ديبلوماسيا اسرائيليا من لندن، ولم تلبث اوستراليا ان فعلت بالمثل. وهناك عملية اطلاق النار على "اسطول الحرية" التي ساهمت في تردي العلاقات اكثر بين اسرائيل وتركيا، اضافة الى احراج واجه الدول الاوروبية التي لم يعد في امكانها الصمت على حصار غزة ونشطت لتوظيف الحادث المأسوي في خانة التشديد على فك الحصار وانهائه من دول الاتحاد الاوروبي المتعاطفة مع الفلسطينيين، وصولا الى بريطانيا وسواها، الامر الذي يحرج بدوره الولايات المتحدة في هذا الاطار. واذا اخذت هذه التطورات ايضا في مقياس البرودة في العلاقات الاميركية – الاسرائيلية، ولو ان نتنياهو كان على وشك الوصول الى واشنطن قبل يومين من اجل محادثات رأب الصدع مع الرئيس الاميركي وتطييب الاخير لخاطر نتنياهو ومساندته في وجه المتطرفين في حكومته في موضوع المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، فان الامر يستحق البناء عليه من اجل اظهار مدى الضرر الذي تلحقه الحكومة الاسرائيلية المتطرفة في غير اتجاه.
وهناك من جهة اخرى التغيير الذي حصل في الولايات المتحدة ازاء اسرائيل، وإن تكن ادارة اوباما تحدثت في البدء عن ضرورة وقف الاستيطان وعادت فتراجعت نحو القبول بتجميده بضعة اشهر حتى ايلول المقبل. لكن هذا التغيير ملموس على مستويات عدة وخصوصا في التعبير عن ضرورة وعي اسرائيل مصالحها البعيدة المدى في السلام مع جيرانها. فهناك مقدار من الصلابة اظهرته ادارة اوباما من حيث اضطرار حكومة نتنياهو الى التزام العودة الى المفاوضات غير المباشرة بعد تسبب اسرائيل باهانة نائب الرئيس الاميركي جو بايدن ابان زيارته اسرائيل من حيث اتخاذ قرارات بمتابعة الاستيطان بغض النظر عن قدرة الادارة الاميركية على نقل هذه المفاوضات الى مستوى آخر ام لا. وهناك الموقف في الامم المتحدة حول ضرورة انضمام اسرائيل الى معاهدة منع الانتشار النووي، والذي اضطرت اليه الولايات المتحدة انسجاماً مع نفسها في ظل السعي الى منع ايران من الحصول على سلاح نووي، وهو موقف ازعج المسؤولين الاسرائيليين وكان سيشكل موضوع بحث عميق بين اوباما ونتنياهو خلال زيارة الاخير لواشنطن هذا الاسبوع لو لم يضطر الى قطع جولته التي كان بدأها بباريس فكندا فالولايات المتحدة، خصوصا بعد كلام على ضمانات تردد ان رئيس الحكومة الاسرائيلية حصل عليها من الرئيس الاميركي حول هذا الموضوع.
لذلك يعتقد ان العرب يملكون الفرصة اكثر من اي وقت من اجل ترك اسرائيل تتخبط في اخطائها وتوظيف هذه الفرص في السعي الى توسيع الشق بين الولايات المتحدة واسرائيل، وكذلك بين العالم الغربي ككل واسرائيل، وعدم الاستسلام مسبقا لواقع ان الامور تسير على نحو يخدمهم من دون ان يتدخلوا او ان يضغطوا في اتجاه معاكس، بمعنى التشجيع على ما قد يرتد عليهم في شكل او آخر، او ترك انقساماتهم وخلافاتهم او خياراتهم في امور جوهرية تطفو على السطح وتحتل واجهة الاهتمام على ما فهم من بعض الاجراءات التي اتخذتها دول عربية.