لعل الخلاصة الأبرز التي يمكن الخروج بها بعد انتهاء المحطة الرابعة والأخيرة من الانتخابات البلدية والاختيارية في محافظتي الشمال وعكار هي أن الانقسام السياسي الذي فرز البلد بين معسكري 8 و14 آذار ما زال مستمرا، ما يعني أن كل المحاولات السورية لإعادة خلط الأوراق باءت بالفشل، لأن مجرد استمرار هذا الانقسام الذي نشأ على خلفية من مع سوريا في لبنان ومن ضدها وضد تدخلاتها في الشؤون اللبنانية يبقي الصراع مركزا على أولوية السيادة الوطنية في مواجهة المحاولات السورية الدؤوبة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 26 نيسان 2005.
وهذا الفرز بالذات يظهر بقوة في الانتخابات البلدية في محطاتها الأربع ولا سيما في المدن والبلدات الكبرى، مما شكل صدمة للقوى غير السيادية التي اعتقدت بأن التفاهم السوري-السعودي والانقلاب على النتائج النيابية في 7 حزيران الماضي أديا إلى انفراط عقد تحالف "14 آذار"، فجاءت نتائج الانتخابات البلدية لتؤكد متانة هذا التحالف ووفاء الرأي العام الاستقلالي لأحزابه وقياداته على رغم التصويت الاعتراضي المحدود في الشارع السني في البقاع الغربي وعكار، هذا الشارع الذي رفض التسليم بالسياسات الواقعية التي أوجبتها التطورات الإقليمية وفي طليعتها محاولة تحييد سوريا عن إيران، وهو لا يرى فائدة من أي انفتاح لقيادته على سوريا قبل أن تترجم الأخيرة التزاماتها وتعهداتها من ترسيم الحدود إلى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وما بينهما المعتقلين في السجون السورية.
الانتخابات البلدية عكست توازنات الانتخابات النيابية:
وفي العودة إلى الحصيلة البلدية الشمالية، لا يبدو أن نتائجها اختلفت عما سبقها، لا بل أن هذه النتائج عكست توازنات الانتخابات النيابية الأخيرة، كما أبرزت تفوق مسيحيي "14 آذار" ولا سيما "القوات اللبنانية" التي واصلت تمددها وانتشارها. فهي القوة الوحيدة شمالا التي تمكنت من الفوز في كل قضاء بشري وحققت انتصارات واضحة وحضور ثابت ومميز من البترون والكورة إلى زغرتا وعكار، بينما قوة تيار "المردة" الفعلية لم تتجاوز زعرتا، وحضوره على مساحة الخريطة الشمالية لم يتعد الحضور الشكلي والصوري، تماما على غرار "التيار الوطني الحر" الذي برز قوة مرجحة فقط في مدينة البترون ومؤثرة بشكل أو بآخر في بعض البلدات والقرى الشمالية.
الإرهاب المعنوي لفرنجية:
ومن هذا المنطلق حاول النائب سليمان فرنجيه ممارسة نوع من الإرهاب المعنوي على أثر جريمة ضهر العين الفردية وغير السياسية بهدف إرهاب الناخبين لثنيهم عن الاقتراع من أجل ترجيح فوزه والحؤول دون تمدد "القوات اللبنانية". فالخلفية الأساسية وراء رفضه التجاوب مع مساعي بكركي ورئاسة الجمهورية للمصالحة مع القوات اللبنانية تكمن في إبقاء الشارع الزغرتاوي مشدودا ومعبأ، لأن ترييح هذا الشارع يعني تقديم خدمة مجانية، بنظره، لـ"القوات اللبنانية"، ما قد يساهم في اكتساحها زغرتا وبلداتها. وقد أتت ردة فعله الصبيانية على حادثة ضهر العين لتؤكد بأنه عدا عن كونه محرك "سوريا" لافتعال إشكال مع الدكتور سمير جعجع من أجل الضغط عليه للتنازل عن مواقفه واستكمال حلقة الحصار حوله، فهو، أي فرنجية، لا يملك الحس أو الشعور الوطني، بخلاف الرئيس أمين الجميل الذي رفض استغلال اغتيال نجله بيار أو النائب وليد جنبلاط مع اغتيال الزيادين أو "القوات اللبنانية" مع اغتيال طوني عيسى وعزيز صالح وبيار اسحق، وغيرها الكثير من الأمثلة.
ولعل فرنجية الذي رفض مجرد مبدأ التعاون الانتخابي النيابي مع حليفه العوني، على رغم التحالف الاستراتيجي الذي يجمع الأخير بسوريا و"حزب الله"، ليس بوارد فتح الباب أمام خصمه في الطرح والسلوك السياسيين، أي "القوات اللبنانية". فهو يريد الحفاظ على زعامته الزغرتاوية في مواجهة الحليف والخصم في آن معا. فكيف بالحري إذا كان هذا الخصم يشكل تهديدا فعليا لشعبيته القائمة على الزبائنية السياسية، وليس على الخيارات الوطنية. وقد وصلت به الأمور في رده على جريمة ضهر العين الفردية إلى المطالبة بعودة الجيش السوري إلى لبنان والدكتور سمير جعجع إلى السجن، في استنتاج موضوعي من قبله بأن خياراته السياسية مهددة في حال لم يصار إلى توفير الحماية السورية لها، بمعنى أن هذه الخيارات غير محمية شعبيا.
استحضار مناخات الحرب الأهلية في مواجهة الديمقراطية:
عليه، لا يتردد النائب فرنجية باستحضار مناخات الحرب الأهلية في كل لحظة يشعر بالخطر على حيثيته الشعبية، وهو يعتقد بأن الوسيلة الفضلى للحؤول دون تمدد "القوات" في زغرتا تكمن في إبقاء مناخات هذه الحرب قائمة، كونها كفيلة بتجميد الوضع السياسي لمصلحته، وبالتالي إبعاد بالقوة ما قدر يرشح عن كأس دورية الانتخابات ومبدأ الديمقراطية. فالإبقاء على ترسيمات الحرب بالنسبة إلى فرنجية هو بمثابة حياة أو موت حفاظا على ما تبقى من شعبيته المتآكلة، هذه الشعبية غير المتأتية من خيارات الناس الوطنية، إنما من حاجة هؤلاء الناس إلى تأمين مصالحهم وتغطية ارتكاباتهم في ظل ضعف الدولة وتحول النائب فرنجية وأمثاله إلى "حاجز" لا يمكن عبوره باتجاه مؤسسات الدولة إلا عبرهم وبواسطتهم.
"الزعيم" الرابع… مع وقف التنفيذ:
العقدة الأساسية التي يعيشها فرنجية هي في انحسار تياره داخل حدود زغرتا، وبالتالي عدم قدرته على توسيع انتشاره على مساحة الجغرافية اللبنانية على غرار "الكتائب" و"القوات" و"التيار الوطني الحر"، ولكنه استفاد من التحالف مع الأخير تحقيقا لانتشار وهمي أو شكلي هو بأمس الحاجة إليه من أجل ترجمة معادلة المحامي كريم بقرادوني السورية والتعويمية له حول الزعماء الموارنة الأربعة، أي بوضعه على قدم المساواة مع الدكتور سمير جعجع والرئيس أمين الجميل والعماد ميشال عون، وهذا ما لا ينطبق على أرض الواقع.
فرنجية خارج … تيار الشرعية المسيحية التاريخية:
إن دلت التجربة التاريخية المسيحية على شيء فعلى أن المسيحيين "المؤمنين" بخيارات غير لبنانية، أي الذي يبدون مصالح قومية أو دول أخرى على حساب المصلحة اللبنانية و"لبنان أولا"، كانوا دوما أقلية في الشارع المسيحي بعيدين كل البعد عن وجدان المسيحيين التاريخي، وسليمان فرنجية هو من هذه الفئة من السياسيين، بخلاف القيادات المسيحية الأخرى التي مثلت وتمثل تيار الشرعية التاريخية لدى المسيحيين، هذا التيار الذي بنى فلسفته على مفهومي الدولة والاستقرار، حيث أن خارجهما تتحول أنظار المسيحيين إلى الهجرة من لبنان. أما الجنرال ميشال عون، فهو الاستثناء الوحيد في هذه القاعدة، ومرد هذا الاستثناء عائد لكون أن عون بنى شرعيته وشعبيته على مدى أكثر من عقد ونصف العقد بحمله خطاب وخيارات المسيحيين التاريخية.
قوة فرنجية متأتية من قوة السوريين لا من احتضان الناس لخياراته
فأكثر ما يخشاه فرنجية هو دخول التيارات الحزبية والسياسية إلى عقر داره في ظل عجزه المزدوج عن صد هذه الأحزاب سياسيا وعن تمدد تياره إلى خارج زغرتا، سيما أن الأمر الواقع الذي فرضه على أبناء المنطقة بقوة السوريين على امتداد حوالى ثلاثة عقود وأمن بواسطته ما طاب لجماعته من الوظائف والخدمات والحماية، بدأ بالتلاشي التدريجي منذ خروج الجيش السوري من لبنان، والأرقام بين النتائج البلدية في عامي 2004 و2010 والنيابية في عامي 2005 و2009 أبلغ دليل على ذلك.
النتائج…بالوقائع
لقد تفوقت قوى "14 آذار" بوضوح في قرى وبلدات البترون والكورة وعكار، كما اكتسحت "القوات اللبنانية" مدينة بشري وبلدياتها الـ10 في ظاهرة عجز عن تحقيقها "حزب الله" نفسه داخل مناطقه وفي ظل ترسانته العسكرية. لا شك أن للارهاب المعنوي الذي افتعله فرنجية وقعه وتأثيره، ولكن حتى مع هذا "الارهاب" لم يتمكن من تجميد الوضع داخل زغرتا، حيث سجلت "القوات اللبنانية" حضورا لافتا في معظم البلدات الزغرتاوية، وهذا عدا عن الوجود الثابت والمتنامي لرئيس حركة "الاستقلال" ميشال معوض الذي رفض التوافق مع سليمان فرنجية على حساب "القوات اللبنانية"، خصوصا أن شرط رئيس تيار "المردة" للتوافق كان بأن يتكفل معوض بإبعاد شبح "القوات" عن زغرتا على غرار ما قام به فرنجية بإبعاد الحالة العونية عن القضاء الزغرتاوي.
خلاصات عامة
على الصعيد اللبناني العام، في نتائج الدورات الأربع ومُجرياتها، يمكن تسجيل الآتي:
أ- أظهر الجنوب والبقاع الشيعيّان "حيوية اعتراضية" لافتة في وجه "الثنائية الحزبية الإحتكارية".
ب- كذلك، ولو بدرجة أقلّ، حدث اعتراض في "الجبل الدرزي"، على خلفية التحوّل الجنبلاطي الأخير.
ج- أصيب الجنرال عون بانتكاسة فعلية في جبل لبنان والأشرفية في بيروت، لم تعوّضها نتائج مدينتي جزين والبترون.
د- خاض تيار "المستقبل" معركة سياسية واضحة المعالم، كما في صيدا، حقّق نجاحاً حاسماً، وحيث ذهب نحو التوافقات وترك الأمور للمحليات إختلطت النتائج، ومالت في بعض الأماكن إلى "السلب".
ه- في جميع الدوائر الإنتخابية تقريباً، كان للمستقلّين والعائلات إعتراضٌ على سياسة "التوافقات" التي أضعفت فرص التنافس الديموقراطي.
و- ما يعزّز هذه الملاحظة الأخيرة أن المشاركة في الإقتراع كانت جيّدة نسبيّاً، ما يعني أن الناخبين بوجه عام كانوا راغبين في التنافس.
ز- بالإجمال أيضاً إتسمت الدورات الأربع بالهدوء النسبي، ما يعكس وعياً عاماً لدى الناخبين، كما يؤشر إلى الجهد الأمني والإداري الذي بذلته السلطات المعنية.
ح- أخيراً أشَّرت الإنتخابات إلى ضرورة التزام الإستحقاقات الديمقراطية في مواعيدها الدستورية، من دون التذرُّع بأسباب واهية للتأجيل أو التعطيل.