#adsense

مناقشة الموازنة تتحول سياسية وتتجاوز أهدافها وأولوياتها… لا إنفاق إضافياً غير قانوني من خارج الإثني عشرية والزيادة انحصرت في 2009 بخدمة الدّين والكهرباء

حجم الخط

كتبت سابين عويس في "النهار": لا يمكن أي متابع للمواقف السياسية والآراء التي سبقت مناقشات موازنة 2010 ورافقتها منذ ان رفعتها وزيرة المال ريا الحسن الى مجلس الوزراء الا ينتهي الى خلاصة ان المشروع يخضع لنقاش سياسي أبعد من بنوده او أوجه الانفاق الاضافي، بدليل ان موازنات الوزارات والادارات اقرت من دون ضجة وانما على خلفية تحويل المشروع محاكمة سياسية للسياسات الاقتصادية والمالية المتبعة في العقدين الماضيين وذلك بعدما حسمت المعارضة (من داخل حكومة الوحدة) خيارها بالدخول الى الملف الاقتصادي مستفيدة من صمت رئيس الحكومة سعد الحريري وفريقه الاقتصادي وامتناعه عن الدفاع عن تلك السياسات التي تستهدف من خلالها المعارضة سياسات والده الرئيس رفيق الحريري واستكمالا له الرئيس فؤاد السنيورة وذلك لسبب واحد كما ينقل عنه المقربون منه يتمثل بحرصه على وحدة حكومته.

ولكن هل النقاش الدائر وسط ضجيج بشأن دستورية الموازنة وربطها بالمشاريع السابقة غير المقرة واستطرادا بالانفاق الاضافي المترتب يحترم في آلياته وسقوفه حكومة الوحدة الوطنية ويعكس انتقادات بناءة هادفة الى تحسين او تطوير المقاربات الاقتصادية القائمة؟ أو أن ثمة أبعادا وخلفيات أقل براءة تستهدف دفع المواجهة الى ذروتها من خلال تحويل مسار النقاش الحاصل من نقاش لمشروع موازنة يعكس التزامات الحكومة في بيانها الوزاري تعهدت بها كل المكونات السياسية للحكومة وتضع فيها أولويات الناس وتحريك الاقتصاد وتفعيل انتاجيته في مقدم اهتماماتها الى نقاش دستوري تعجيزي يوجه اصابع الاتهام ولا يساعد في البحث عن المخارج الملائمة التي تسمح بتحقيق اهداف الحكومة وبتطبيق بيانها الوزاري؟

ذلك ان الطابع الملح للموازنة بعد انقضاء نصف سنة يستوجب من الحكومة اذا كانت تعمل فعلاً وفق روحية "الوحدة الوطنية" ان تحسم النقاط الخلافية العائدة للمسألة الدستورية المتعلقة بالموازنة والموازنات السابقة – اذا وجدت – باعتبار ان المأزق الدستوري الذي وصلت اليه هذه الموازنات يعود الى عدم انضاج مخرج لمشاريع الموازنات العائدة للاعوام 2006 و2007 و2008 التي تعذر على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ايصالها الى المجلس النيابي بسبب رفض رئيس المجلس نبيه بري تسلمها لـ"عدم دستورية" الحكومة بغياب التمثيل الشيعي فيها وليس لعدم دستورية مشاريع القوانين المرسلة.

وتراكم هذه المشاريع يضاف اليها مشروع موازنة 2009 المحال من الحكومة الثانية المعترف بـ"دستوريتها" ادى الى وصول الامور الى ما هي عليه اليوم وبالتالي فان المسؤولية مشتركة وتتطلب مشاركة في تحملها بدلاً من استغلالها في سجال سياسي عقيم لن يؤدي الا الى مزيد من التعطيل والتأخير في تسيير امور الدولة وشؤون المواطنين.

واذا كانت المشكلة بدأت بأثارة وزراء في قوى "8 آذار" لمسألة قطع حسابات الاعوام السابقة وانتهت الى تأليف لجنة وزارية برئاسة الحريري لوضع تقرير بتلك الحسابات وكشوفاتها، فان سؤال الرئيس نبيه بري الثلثاء من على باب القصر الجمهوري بعد لقائه رئيس الجمهورية عن مبلغ 11 مليار دولار انفقت من خارج القاعدة الاثني عشرية التي يجري الصرف على اساسها منذ نهاية العام 2005 موعد آخر موازنة اقرها المجلس النيابي اثار الامر مجددا خصوصا انه جاء معطوفاً على التحذير الذي وجهه رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون لوزرائه في الحكومة في مشهد بدا منسقاً بين اركان قوى "8 آذار" خصوصا ان اثارة الرئيس بري لرقم معين للانفاق الاضافي بالدولار الاميركي (11 مليار) وليس بالليرة اللبنانية التي هي اساسا العملة المعتمدة في الحسابات الرسمية من دون تفنيد هذا الرقم اثار التساؤلات حول مصدر هذا الرقم وما يمثله.

وفي هذا السياق اوضحت اوساط قريبة من الرئيس بري ان رئيس المجلس ومن موقعه الدستوري يمارس حقه في السؤال ولا يمكنه بعد المواقف النيابية المتعددة ان ينزل تحت سقف اسئلة النواب وإلا يعتبر مقصرا في ممارسة دوره الدستوري. واذ استغربت هذه الاوساط السقف الذي بلغه السجال في هذا الشأن اشارت الى ان الامور ليست بهذا التعقيد والبحث جار اليوم من خلال اللجنة الوزارية عن المخرج الدستوري لمسألة المشاريع العالقة والانفاق الاضافي وكل المطلوب تحديد حجم هذا الانفاق وتبيان اطاره القانوني الذي يغطيه.

اما عن الرقم الذي اثاره بري، فأشارت الاوساط الى انه يمثل مجموع الانفاق الاضافي للاعوام 2006 و2007 و2008 و2009 والبالغ نحو 16 الف مليار و500 مليون ليرة لبنانية او ما يعادل 11 مليار دولار نافية ان يكون الرئيس بري قد لوح بهذا الرقم للاشارة الى انفاق غير ظاهر وانما القصد هو تبيان ابوابه وتغطيته القانونية.

أزعور: حق بري الاستيضاح
واستوضحت "النهار" الوزير السابق للمال جهاد ازعور الذي تولى مسؤولية وزارة المال بين 2006 وحزيران 2008 حول هذا الموضوع فأكد الحق الطبيعي لرئيس المجلس بالمبادرة الى استيضاح اوجه الانفاق وطلب كل المعلومات المتعلقة بهذا الامر، وهو قام بالعمل الصحيح في هذا السياق لافتاً الى انه من واجب كل مسؤول عن الفترة المشار اليها والتي هي موضع النقاش ان يقدم الايضاحات المطلوبة لتبيان حقيقة الامور باعتبار ان تلك الفترة التي كانت من اصعب المراحل التي مر بها لبنان سياسيا وامنيا واقتصاديا، لم تشهد اقراراً لمشاريع الموازنات التي تحكم الانفاق الرسمي مما استدعى انفاقا على اساس القاعدة الاثني عشرية مشيرا الى أن المجلس النيابي والمؤسسات الدستورية هي المرجع للبحث في هذه المسائل ومناقشتها.

وأكد ازعور في هذا الاطار ان الانفاق الذي تم خلال الفترة المشار اليها جاء تحت سقف القوانين المرعية ان من خلال اعتمادات سابقة في موازنة 2005 او اعتمادات مدورة من موازنات سابقة او من تمويل من صناديق عربية ودولية لمشاريع استثمارية مصدق عليها في المجلس النيابي لافتا الى ان العنصرين الاساسيين في زيادة الانفاق يعودان الى الكهرباء وكلفة خدمة الدين العام.
ووسط الضجيج القائم حول الانفاق الحكومي سؤالان يطرحان في هذا الشأن ويشكل الجواب عليهما المدخل الى معالجة هذا الجدل البيزنطي:

– ما هو حجم الانفاق الاضافي من خارج القاعدة الاثني عشرية وهل تخطى ما ترعاه القوانين المرعية؟
– على ماذا تم هذا الانفاق وبموجب أي آليات صرف؟

ان البحث في دستورية الانفاق على القاعدة الاثني عشرية يمكن تفسيره بالعودة الى المواد الدستورية التي ترعى مثل هذه الامور كالمادة 86 من الدستور التي تعالج مسألة التأخير في اقرار الموازنة او المادة 59 من قانون المحاسبة العمومية التي تحدد اسس عقد اي نفقات على حساب السنة المالية وكيفية اجراء معاملات التصفية والصرف والدفع كما تحدد المادة 60 من القانون عينه كيفية وضع قواعد الصرف الاثني عشري ونقل الاعتمادات من احتياطي الموازنة لتغذية بنود مختلفة.

اما تحديد الحجم الفعلي للانفاق الاضافي فيجب الا يحتسب على اساس تقديرات مشاريع الموازنات كما تم اعدادها بل على أساس ما تم انفاقه فعليا وعلى قاعدة الاعتمادات المعقودة من ضمن آليات الانفاق المحددة بآخر موازنة اقرت (2005) وبرامج القوانين او الاعتمادات المعقودة او المدورة في موازنات سابقة لتلك الموازنة.

ويلاحظ ان عمليات العقد والصرف كانت تتم ضمن القوانين ولكن عند نفاذ الاعتمادات كان مجلس الوزراء يعمد الى اتخاذ قرارات تقضي بالسير بالنفقات الدائمة التي تقضي المصلحة العامة باستمرارها وفقا للاعتمادات الملحوظة في مشروع قانون موازنة كل سنة وحسب حاجة الادارة وذلك منعا لتعطيل المرافق العامة. وكان هذا الامر يطبق على الرواتب والاجور والايجارات والمحروقات واعمال الصيانة ونفقات تشغيل الادارة.

وتشير اوساط مطلعة في وزارة المال انه لم يحصل اي تجاوز لمجموع النفقات المجازة من المجلس النابي قياسا على العام 2005 الا عام 2009 وهذا يظهر من الارقام المعقودة للعام 2005 وبلغت 10 الاف مليار ليرة، فيما بلغت 8771 مليار ليرة عام 2006 و10023 مليارا عام 2007 و9953 مليارا عام 2008 لتصل الى 13255 مليار ليرة في 2009.

ومع اضافة فارق اعتمادات الدفع المقررة من المجلس النيابي في قانون موازنة 2005 والبالغة: 182 مليار ليرة في 2005 و521 مليارا في 2006 و545 مليارا في 2007 و318 مليارا في 2008 و400 مليارا في 2009 يظهر ان التجاوز الوحيد للمبالغ الاجمالية المجازة من المجلس يعود الى العام 2009 وهو يعود الى 3 عوامل:
– نفقات الدين العام: 1879 مليار ليرة
– الرواتب والاجور وملحقاتها 664 مليار ليرة
– التقاعد وتعويض الصرف: 440 مليار ليرة اي ما مجموعه 2983 مليار ليرة.

وذكرت الاوساط عينها ان زيادة الرواتب ترتكز الى القانون رقم 63 تاريخ 13/12/2008 الذي رفع الحد الادنى واعطى زيادة مقطوعة قدرها 200 الف ليرة لكل راتب اعتبارا من 1/5/2008 وزيادة 170 الف ليرة لكل متقاعد كما حدد دفع فروقات سلسلة الرتب اعتبارا من 1/1/1996 حتى 31/12/1998 موزعة على الاعوام 2009 و2010 و2011.

يضاف الى ذلك نفقات اخرى مترتبة مثل زيادة ايجارات الابنية الرسمية بفعل زيادة الاجور، تعويضات مديري المدارس الرسمية، ارتفاع اسعار الادوية والمحروقات اضافة الى مترتبات الظروف الاستثنائية الناتجة عن عدوان تموز وحرب نهر البارد التي اوجبت استدعاء نحو 15 الف جندي احتياطي فضلا عن زيادة عديد القوى الامنية.

اما نفقات خدمة الدين فقد اجازتها المادة السابعة من موازنة 2005 التي نصت على "الاجازة للحكومة بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح وزير المال ان تفتح عند الاقتضاء اعتمادات اضافية في الموازنة لاجل تسديد اقساط القروض التي تستحق اصلا وفوائد ونفقات متممة وان تحدد مصادر تغطيتها".

المصدر:
النهار

خبر عاجل