

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1696
علي أبو دهن: نار جهنم أرحم
حاكمونا على أحلامنا وأطعمونا الفئران والصراصير (2)
من جحيم الإعتقال إلى الحرية خرج رئيس «جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية» علي أبو دهن وهو الذي اعتبر يوما أن الموت يوازي الحرية نتيجة الظلم والعذاب الذي عاشه ومعتقلون لبنانيون في السجون السورية.
بعض العذابات في سجن تدمر: قلع الأضراس والأسنان
وجع الأسنان معروف بصعوبته… بخاصة في غياب المسكنات أو عقاقير معالجة الألم… وفي «الحرية» قد يستعين المريض بقطنة من العَرَق، أو يأخذ حبة أسبرين الى أن يزور الطبيب المختص… أما داخل السجن، وبصورة خاصة سجن تدمر، فعلينا أن نتدبر أمرنا بغير ذلك.
وشاء سوء حظي أن يؤلمني ضرس متورم لدرجة أني لم أعد أستطيع تحريك فكي. فبت أتوجع حتى عندما أفتح فمي لتنشق الهواء… كان بيننا في المهجع سجين له خبرة بقلع الأضراس غير مرة، فذهبت إليه. وعندما ألقى نظرة داخل فمي قال:
-تعال غدًا ليكون الورم قد خفّ قليلاً.
-ولكنني أتألم بشدة!
-تعال غدًا.
الموعد إذاً، في الصباح التالي بعد التفقد…
جهزت نفسي. فأحضرت قميصًا عتيقاً ومزقته قطعًا صغيرة بعد غسله بالصابون… ثم جدلت حبلاً بطول 120 سنتم تقريبًا من خيط نايلون من إحدى الكلسات القديمة. وجهزت نفسي لتحمل الألم نتيجة قلع ضرسي المريض…
استلقيت على ظهري وأسندت رأسي الى ركبة «الخبير»:
-افتح فمك وضع العمّاية على عينيك…
شعرت… بقطعة حديد (وكانت يد مقص الأظافر بعد أن بردت على الحائط، فأصبحت في شكل مشرط تفصل بواسطتها اللثة عن الضرس)، تشق طريقها داخل فمي.
نشفت الدماء بقطعة من القميص القطني، لا بنج ولا من يحزنون، واستمر الطبيب بمحاولة فصل اللثة… فيمسح الدماء مرة أخرى ليتمكن من رؤية ما يفعل، ثم يضع يده في فمي…
يحاول هزه يمنة ويسرة… تخلخل الضرس… تحرك قليلاً…
وأنا أتألم ولا أستطيع الصراخ مخافة مجيء الرقيب… أشد بيدي على الحرام فيما جلس أحد رفاقي على ركبتي، وثبّت آخر رأسي… حالتي بالويل… لفّ الخبير الحبل داخل فمي حول الضرس وشده الى الأمام والخلف بنتعة جبارة خطفت روحي معها… لملم الدماء مرة أخرى…
-اتكل على الله…
أومأت برأسي وأنا أشد على نفسي…
-إفتح فمك جيدًا.. وضع رجليه على كتفي وشد الحبل من جديد، فخرجت مني صرخة ألم صماء تمردت على هلعي…
-انحلّت إنشاء الله… مرة ثانية أو ثالثة وبتخلص…
نور أبيض لمع في رأسي… فأبصرت الضوء في عينيّ المغمضتين بالعمّاية… مسح الدماء، وشد ثالثة، فخرج الضرس معلقاً بالحبل فيما الخبير يلوّح به منتصرًا. ثم مسح الدماء ووضع قطعة قماش في البقعة الجوفاء من فمي…
-عضّ… شدّ وما تفتح فمك إلا بعد ساعة…
رأيت الضرس بجذوره الثلاثة مهترئاً، وكانت هذه تجربتي الأولى مع الطبابة المستحدثة من روعة السجون.
و»طبيب الأسنان» حاز خبرته الواسعة من خلال تمرسه بالعمل في أفواه المعتقلين، بحيث اقتلع أكثر من مئة ضرس وسن. وفي إحدى المرات اقتلع ضرسًا من الفك الأسفل لجهة اليمين.
فقال له المريض:
-شو رأيك لو ترجعه الى مكانه؟ إنت قطعت العصب ما بيوجّع مرة ثانية!
-فكرة! ولكن بشيل السوسة والوسخ… وبرجعه…
وهكذا حفّ الضرس على الحائط من جوانبه الأربعة ثم نظفه بالصابون… وبإبرة صغيرة، تحايل عليه ونخره ونظفه ثانية من دون أن يمس جذوره المتشعبة.
-افتح فمك… سيؤلمك ليلاً ولكن عليك أن تعضّ عليه شوية شوية لكي يأخذ مكانه…
في خمس دقائق انتهت العملية. ومع الأيام عاد الضرس الى مكانه وشفي المريض من ألمه. فبعد شهرين التحمت اللثة وكانت هذه عملية الزرع الأولى التي تكللت بالنجاح فتبعتها مرات كثيرة…
وفاة الموقوف اللبناني حسن هوشر
عن وفاة حسن هوشر أخبركم ما يأتي:
كانت الليلة السابعة والعشرون من شهر رمضان المبارك، أي ليلة القدر، أي أن المسلمين المؤمنين منهم يطلبون من الله كل ما ينقصهم والله سميع مجيب، ونحن طلبنا الطلب الوحيد وهو إخراجنا وتخليصنا من بين أيدي الشرطة السورية، وإبعاد الظلم والضرب والعقوبة اللاإنسانية الحاطّة بالكرامة، وإعادتنا الى بلادنا وعيالنا فقط. معظم المساجين في المهجع من المسلمين صائمون… بينهم صديقي حسن.
إفطارنا كان مؤلفاً من شاي بارد من الصباح وملعقة من اللبنة ونصف فنجان من المرقة الحمراء وبرغل بارد، المهم بارك لنا الله بهذا الأكل وأصيب حسن بإسهال شديد. وبعد قرابة الساعتين تبع الإسهال إعياء مريع. عند الثانية صباحًا اشتد المرض على حسن، فقرع المسؤول الصحي الباب مطالبًا بحضور طبيب مختص. بعد محاولة إسعافه وفق خبرته القليلة وهو سجين متطوع بالصليب الأحمر اللبناني لم يعرف كيف يعالج الموقف. ونحن نيام نخشى التحرك مخافة التعليم…
قرع المسؤول الصحي ثانية فأتى الرقيب:
-شو فيه ولاه منيـ…؟
-عندي حالة قيء وإسهال شديد وبدنا طبيب…
-كول خـ.. ولاه! لأيـ… يموت! بس بتدق الباب لمّن يموت.
وذهب.
بعد برهة دق الباب مرة ثانية فأتى الرقيب نفسه:
-ليك منـ… إنت رقمك 1 ورئيس المهجع 2، والشرمـ… المريض رقمه 3، الصبح بفرجيكم.
للمرة الأولى في تاريخ تدمر تشجع سجين فقرع الباب ثالثة. كانت الساعة الرابعة تقريبًا…
-شو في منايـ..؟
فأجبته:
-نريد كيس مصل لأن المريض فقد كل الماء بجسمه وبدأت عيناه تضيقان…
-رقمك 4! لمن يموت بتدقوا الباب.
الخوف والهلع شلاّ تفكيرنا، منا من قال إرفعوا رجليه الى أعلى لينزل الدم الى رأسه، ومنا من قال افركوا رجليه ورأسه، ورفيقنا حسن يتلوى غائبًا في دنيا أخرى. مرّ علينا الزمن ببطء. روحه بين أيدينا لا نستطيع مساعدته، ولا يوجد لدينا إبرة لننقل له الدم. صلينا له جميعًا باكين عليه وعلينا، فإن لم يتدخل القدر ويوقف هذه المسخرة فهو السابق ونحن اللاحقون.
قرعت الباب مثنى وثلاث، وكان الجواب من الشرطي الحقير نفسه… «ليمت حفظ أيــ…».
لم تطل الحال برفيقنا حسن ففارق الحياة… وكانت الساعة تشير الى 3:45 دقيقة صباحًا. قرعنا الباب فأتى رقيب آخر.
-شو فيه ولاه؟
-المريض مات.
-حفظ أيــ…! عقبال الجميع! ناموا الصبح منشوف.
أما حسن المسكين، رحمه الله، فصلينا على جثمانه ليلاً وغسلناه على الطريقة الشرعية…
كانت المرة الأولى التي أشاهد بها كيف يغسل الشهيد وكيف يُصلى عليه. وسمعت رفاقي يقولون إنه دخل الجنة، لأنه شهد على روحه وكانت ليلة القدر.
فقط المرحوم رفيقنا حسن نام بهدوء تام. لم يشعر أو يتقلب أو يخف التعليم، ونحن نغسله ونلبسه ثيابه ونكفّنه… الجميع قال من تحت غطائه خائفاً من المصير نفسه، منا من فرح لرفيقنا حسن لأنه خرج وتحرر من السجن بالغصب عنهم، ومنا من قال إن أهله كانوا ينتظرون عودته ليفرحوا بزواجه بابنة عمه كما روى لنا، ومن قال اللعنة عليهم وعلى المسؤولين الكلاب الذين يسمحون لعساكر من دون رحمة ومسؤولية بالتحكم بمصيرنا وحياتنا وقدرنا… لهم الحق إما بموتنا أو بحياتنا! هم القدر! ومن قال متل طيـ… اللي بدو يصير يصير… هم لا شيء هكذا كُتب لنا. ونحن مؤمنون وأنا عاهدت نفسي أنني إذا كتبت لي الحياة سأكتب مذكراتي وأنشرها ليعرف العالم بأسره الحضارة والأخوة التي مارسها نظام البعث… وبذلك يكون عقابهم الكبير في الدينا، وإن الله يمهل ولا يهمل.
* من كتاب «عائد من جهنم ـ ذكريات من تدمر وأخواته» لعلي أبو دهن المعتقل السابق في السجون السورية.
(انتهى)
إقرأ أيضاً:
علي أبو دهن: نار جهنم أرحم – 1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
