بعد أن ترتاح الشوارع من صخب التظاهرات والحناجر من شدّة الهتافات
مطلوب الاختيار بين "استراتيجية الحرب" و"استراتيجية السلام"
بعد أن تهدأ الشوارع من صخب التظاهرات وترتاح الحناجر من الهتافات، ماذا على العرب والفلسطينيين والمجتمع الدولي أن يفعلوا لجعل منطقة الشرق الأوسط تنعم بالهدوء والاستقرار؟ هل برفض العودة الى المفاوضات مع اسرائيل مباشرة كانت أو غير مباشرة؟ هل بسحب المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 من دون تقديم بديل؟ هل هذا هو الرد المنطقي والعملي على اسرائيل التي لا تريد اكثر من ذلك اي لا مفاوضات ولا مبادرات سلام؟
يقول ديبلوماسي عربي انه بات على الملوك والرؤساء العرب ان يتفقوا في ما بينهم على خريطة طريق اذا ما سلكوها يصلون الى استعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة والاراضي المحتلة بعيدا من الانفعالات والعواطف التي تتحكم بالعقل والمنطق. وخريطة الطريق هذه إما ان توصل الى المواجهة العسكرية مع اسرائيل، وإما الى المواجهة السياسية والديبلوماسية معها، وعليهم اذاً ان يختاروا بين استراتيجية الحرب واستراتيجية السلام وهو ما لم يتم التوصل الى اتفاق في شأنه حتى الآن.
ثمة رأي يقول باعتماد "استراتيجية الحرب" عملا بمبدأ "ان ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة"، وهذا يتطلب تعبئة كل الطاقات البشرية والاقتصادية والمالية لانجاح هذه الاستراتيجية، وان تصبح كل الحدود مع اسرائيل مفتوحة لحرب نظامية وغير نظامية تضطرها الى الرضوخ للمطالب العربية والفلسطينية، وان اي استراتيجية اخرى مثل استراتيجية المفاوضات لا جدوى منها بدليل انها اعتمدت خلال سنوات طويلة ولم تسفر عن نتيجة.
وثمة رأي آخر يقول باعتماد استراتيجية السلام، لانها الاجدى والاقل كلفة مهما طال الوقت، وخصوصا ان "استراتيجية الحرب" جرّبت غير مرة وخلال سنوات ولم تصل بالمنطقة الى السلام ولا استعادت حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ولا الاراضي المحتلة كاملة. وليس سوى الضغط السياسي والاقتصادي الذي تمارسه الدول المحبة للسلام على اسرائيل ما يجعلها ترضخ للحق والعدل، وهو ما يجب اللجوء اليه في التوصل الى رفع الحصار عن غزة، ليس للعودة بعد رفعه الى سياسة تبادل اعمال العنف والفعل ورد الفعل مع اسرائيل، بل سياسة تبادل الافكار توصلا الى حلول عادلة للقضية الفلسطينية وللاراضي المحتلة.
الواقع، ان الزعماء العرب عندما رفعوا في الماضي شعار "اللاءات الثلاث" في قمة الخرطوم، لاحظوا انها مع الوقت اخذت تسقط الواحدة تلو الاخرى، وان القول بلا للمفاوضات مع اسرائيل ولا للصلح معها من دون الاتفاق على البديل معناه ابقاء الوضع الراهن اي "الستاتيكو" الذي تأكد انه في مصلحة اسرائيل التي تهرب من السلام بقدر ما تستطيع كي لا تدفع ثمنه باعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة والانسحاب من الاراضي التي تحتلها، وليس برفض مبادرة السلام العربية من دون تقديم بديل منها وقبل ان تحدد اسرائيل موقفها النهائي منها وتتحمل مسؤولية رفضها.
لذلك مطلوب من القمة العربية المتوقع انعقادها في تشرين المقبل اتخاذ قرارات حازمة وحاسمة في ضوء ما يكون قد استجد من تطورات حتى موعد انعقاد هذه القمة، سواء بالنسبة الى الملف النووي الايراني، ام بالنسبة الى مساعي المبعوث الاميركي الخاص جورج ميتشل في تحقيق السلام الشامل بدءا بقيام دولة فلسطينية الى جانب الدولة العبرية، وعلى امل ان تخرج القرارات التي تصدر عن القمة المقبلة الوضع في المنطقة من رتابته وجموده لانه وضع يريح اسرائيل ويوفر لها الوقت الكافي لتنفيذ مخططاتها.
ويختم الديبلوماسي العربي بالقول ان التوصل الى تحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة هو الذي يزيل اسباب الانقسام بين الفصائل الفلسطينية وكذلك الانقسامات بين العرب بالتفاف الغالبية الساحقة حول هذا السلام لان احدا ليس مع حرب عبثية ولا مع مفاوضات عبثية بل مع تحقيق سلام شامل وعادل سئم الناس الانتظار الطويل لتحقيقه، وما الهجوم الاسرائيلي على "اسطول الحرية" لكسر حصار غزة سوى خطوة على طريق السلام وكوة تفتح في جداره. ولا بد من ان يوحد هذا الهجوم موقف الفلسطينيين وموقف العرب، ويضع المجتمع الدولي في مواجهة مع اسرائيل من شأنها ان تسهل مهمة ميتشل، ويدفع حلول الرئيس اوباما لازمة الشرق الاوسط على كل المسارات.
والسؤال المطروح هو: هل يتوصل الفلسطينيون والعرب الى اتفاق على رؤية مشتركة لموضوع السلام الشامل والعادل في المنطقة سواء بوضع "استراتيجية حرب" او "استراتيجية سلام" وعدم الاتفاق على الرفض فقط من دون تقديم اي بديل كما يحاول البعض ان يفعل، واذذاك ينتقل الخلاف الى داخل اسرائيل والى داخل حكومة نتنياهو حول سياسة القوة التي تعتمدها ولا تحقق اهدافها الى الديبلوماسية التي تحقق اهداف الجميع. وهذا ما عبر عنه عاموس عوزفي في مقال في صحيفة "هآرتس" وجاء فيه: "عرف اليهود مدة الفي سنة قدرة القوة ظنا منهم ان القوة ستحرز كل شيء، لكن من حسن الحظ ان زعماء امثال بن غوريون واشكول، عرفوا جيدا حدود القوة وحذروا من تجاوز هذه الحدود. فاسرائيل غرقت منذ حرب الايام الستة في جمود القوة، فما لا يمكن احرازه بالقوة يُحرز بقوة اكبر". وفي المقال ايضا: انه من اجل الانتصار "ينبغي اقتراح فكرة اخرى غير القوة والحصار والقصف. فالطريق الوحيد المفتوح امام اسرائيل لازاحة حماس هو الاتفاق في اقرب وقت مع الفلسطينيين على اقامة دولة مستقلة في حدود 67 عاصمتها القدس الشرقية، وان توقع مع ابو مازن اتفاق سلام. فاسرائيل لو ابطلت مئة قافلة سفن الى غزة، فانها لا تحل المشكلة لاننا لسنا وحدنا في هذه الارض وليس الفلسطينيون ايضا وحدهم والا سنعيش كلنا في وضع حصار دائم".