
منذ انتهاء مؤتمر البحرين الاقتصادي وملف صفقة القرن خافت ومسحوب من تحت الأضواء، بينما في الحقيقة ان الادارة الاميركية من خلال مبعوث الرئيس الاميركي جاريد كوشنير، مهندس الصفقة الرئيسي، لا تزال تدرس الاحتمالات الأخرى، بعدما تبين فشل مؤتمر البحرين الاقتصادي ومعه فكرة اولوية الحل الاقتصادي كمدخل للحل السياسي للقضية الفلسطينية.
بداية لا بد من القول، وقد لا نكشف سرا ان قلنا، إن المطلوب كان في الاساس وكتمهيد لحل ازمات المنطقة، تقسيم سوريا والسودان والعراق، وهي دول للأسف وصلت الى التقسيم، وكان المفروض ان يشمل التقسيم ايضا المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الامارات والبحرين، الا ان توحُّد هذه الدول الاربعة مع بعضها، وتوحيد كلمتها امام الاميركي ابطأ الكثير من زخم المبادرات.
وبناء على فشل المخطط الاول للصفقة تم الانتقال الى الخطة “ب” وركائزها:
اولا: تقسيم دولة فلسطين الى قسمين؛ قسم دولة منزوعة السلاح في غزة وتحكمها حركة حماس وتقام فيها موانئ ومطار ومحطات كهرباء وتحلية مياه وبنى تحتية كالطرق والمساكن، ورصدت لتلك المشاريع الاعتمادات المالية المطلوبة.
ثانيا: القسم الثاني من الدولة الفلسطينية على نصف مساحة الضفة الغربية وبعض احياء القدس مع اقامة جسر يربط مناطق الحكم الفلسطيني بالمسجد الاقصى.
ثالثا: الغاء حق العودة كليا، واعتراف عربي جماعي بأن أراضي عرب 48 والجولان ليست اراضي محتلة، وبالتالي ليست ملك العرب.
وتضمن مشروع الغاء حق العودة تجنيس 40% من فلسطينيي الشتات بجنسية مصرية و40% منهم بجنسية اردنية، مع السماح بعودة ما نسبته 20% من الفلسطينيين الى غزة مقابل ضخ ما قيمته 80 مليار دولار في الاقتصاد المصري و20 مليار دولار في الاقتصاد الاردني.
رابعا: طرحت الدول العربية ولا سيما الدول الاربعة مصر والسعودية والامارات والبحرين على الاميركيين مشروعا مضادا للصفقة مفاده: عودة دولة فلسطين موحدة على حدود ما قبل 67 تحكمها مؤسسات قانونية ودستورية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتهما القدس، ما يؤدي الى زيادة نسبة الاراضي الفلسطينية خلافا للخريطة الاساسية الموضوعة من مهندس صفقة القرن كوشنير، الذي لم يتردد في أكثر من مناسبة من الاشارة الى الا دولتين في مشروعه بل دولة واحدة.
وجاء بيان القمة العربية الاخيرة في تونس او ما عرف بـ”بيان تونس” للتأكيد على رفض العرب ومنهم لبنان، الصفقة بمشتملاتها الاساسية خصوصاً في موضوع الغاء حق العودة.
ورفض نزع الملكيات العربية عن الاراضي المحتلة مع الاصرار على القدس عاصمة للدولة الفلسطينية والجولان تحت السيادة السورية، بما يعارض تماما موقف الرئيس دونالد ترمب من تهويد الجولان والقدس وانذر بدخول الصفقة مأزقا تعمل واشنطن على تطويقه والعودة الى الطرح من ابواب أخرى بعد تجاوز اعادة ترشيح الرئيس ترمب لولاية ثانية وانتخابات اسرائيل في شهر ايلول المقبل.
خامسا: تنامي التنسيق المصري ـ الاردني ووحدة المواقف بين الدولتين شكّل عقبة كعداء امام الاميركيين لتسويق الصفقة، خصوصاً ان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ابلغ جاريد كوشنير منذ أيام، اثناء استقباله في القاهرة، عدم موافقة مصر على التنازل عن سيناء لصفقة القرن.
كما ان الملك عبدالله رفض اية تضحية بسيادة الاردن واي تحميل للبلد اعباء اية صفقة مع اصراره على دولة فلسطينية موحدة عاصمتها القدس وعودة الجولان للسيادة السورية.
واشنطن بانتظار انتخابات اسرائيل في ايلول المقبل، والمفضل لديها اعادة انتخاب بنيامين نتنياهو الذي تعتبره الاجدر في تحمل اعباء صفقة القرن على الرغم من كون الاخير غير متحمس للصفقة ولطالما راهن ضمنيا على رفض العرب لها كي يتجنب الاحراج امام الرئيس الاميركي الذي أغدق عليه الهدايا بدء من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وصولا الى الاعتراف بسيادة اسرائيل على الجولان.
وتسعى واشنطن في الوقت ذاته لخلق افضل الظروف لإعادة طرح الصفقة ولو مع بعض التعديلات والروتوشات ايمانا منها ان العرب لن يستطيعوا مقاومة الصفقة طويلا وهم منهكون في صراعاتهم الداخلية وفي نتائج الربيع العربي الكارثية على بعض الانظمة والدول، في ظل الاصطفافات الاقليمية والدولية في المنطقة والتي تعيق التوصل الى تسويات حاسمة، عساها تمر تلك الصفقة في نهاية المطاف، خصوصاً انها حاليا في مأزق كبير يجمدها امام الرفض العربي والتشويش الذي تمارسه بعض الدول الاقليمية في المنطقة على الموضوع رغبة منها في الابقاء على سيطرتها على قطاع غزة منفردة وعلى حركة حماس تحديدا، ورفض توحيد الدولة الفلسطينية بين الضفة والقطاع.
