#dfp #adsense

“مبادرة” برّي لفظية وتؤشّر الى الرهان السوري على كسب الوقت

حجم الخط

بسبب الموقف العربي وضغطه يستبدلُ المفردات المنفّرة بالحديث عن “إعلان نوايا” يتضمّن الشروط نفسها

“مبادرة” برّي لفظية وتؤشّر الى الرهان السوري على كسب الوقت
نصير الأسعد

 

من الواضح جداً أن الرئيس نبيه بري “لمس” الموقف العربي لمس اليد وفهمَه. ولأنه كذلك تقدّم قبل يومين بـ”مبادرته اللفظية” حول حوار ينتهي الى “إعلان نوايا” بشأن حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب يسبق انتخاب رئيس الجمهورية.


مصر أبلغت بري موقفاً حازماً


ما العلاقة بين فهم بري للموقف العربي و”المبادرة” التي أعلنها؟ ثم لماذا هذه “المبادرة” لفظية وحسب؟
في مصر حيث استُقبِل، تبلّغ بري من الرئيس حسني مبارك والقيادة المصرية أن انتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان فوراً وبدون شروط مسبقة هو المدخل الى حلّ الأزمة في لبنان، وأن انتخاب الرئيس التوافقي فوراً “ثم” تشكيل حكومة وحدة وطنية هو التفسير للمبادرة العربية.


وإذا كان من غير الضروري معرفة ما دار من نقاش “داخل” الاجتماع بين مبارك وبري لأن التصريحات المصرية العلنية تقول ما يكفي، فإن مصر تعتبر أن الأزمة في لبنان ناجمةٌ عن التدخّل السوري والإيراني في شؤونه، وترى على هذا الأساس أن الحلّ في لبنان ليس بأفق منظور، كما عبّر عن ذلك وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط مراراً في الأيام القليلة الماضية.
بكلام آخر، لم “تأكل” القيادة المصرية من الكلام الذي يكرّره بري عن الموقف التسهيلي للنظام السوري.


المملكة لم تحدّد له موعداً


على أن أكثر ما يلفتُ في الإطار العربي، هو أن المملكة العربية السعودية لم تحدّد موعداً لبري مع خادم الحرمَين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.. حتى الآن على الأقل.


فالموقف السعودي معلومٌ أيضاً، وهو أن النظام السوري مصدرُ الأزمة في لبنان، وأن انتخاب الرئيس اللبناني هو بداية الحلّ. والموقف المصري ـ السعودي المشترك جرى إعلانه في قمة شرم الشيخ بين الملك عبدالله والرئيس مبارك، ويعتبر أن التطبيع مع دمشق رهنٌ بتوقّفها عن إعتراض الحلّ في لبنان.


وإذا كان محتملاً، في إطار التشاور الدائم بين القاهرة والرياض أن تكون الأولى أبلغت الثانية أن بري لم يأتِ الى العاصمة المصرية بجديد مما استدعى عدم تحديد مواعيد له في المملكة، فإن للقيادة السعودية مع بري تجربةً تفيد أنه لا يستطيع “أن يأخذ بصدره” التوجه نحو الحلّ في لبنان بدءاً بانتخاب رئيس الجمهورية، كما تفيد أنه لا يستطيع التعهّد بأي أمر طالما أن النظام السوري على قراره بعدم الإفراج عن لبنان.


باريس تحمّله مسؤولية


والحال أن الأمر لم يكن مختلفاً في فرنسا. ومنذ أن أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نهاية العام الماضي قطع الاتصالات مع دمشق وتحميل النظام في سوريا مسؤولية التعطيل في لبنان، وباريس تكرّر المرة تلو المرة استنكارها للتأجيل المتمادي لانتخاب الرئيس، وتدعو الى فتح مجلس النواب أمام الانتخاب وكمدخل الى استعادة المؤسسات الدستورية حياتها. وبهذا المعنى فإن فرنسا تحمّل بري مسؤولية في تعطّل المسار الدستوري اللبناني. وإذا كان وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير اتصل بعد تصريحه “الشهير” ببري لـ”تلطيف” التعبير “الجافّ” عن الموقف منه، فإن هذا الاتصال لم يغيّر في موقف العاصمة الفرنسية، بما في ذلك أن التوجه الى الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) لن يكون متاحاً أمام الرئيس بري.


إذاً عاصمتان من أربع عواصم “خرجتا” من إطار التحرّك المقرّر لبري هما الرياض وباريس. والثالثة أي القاهرة قالت كلاماً واضحاً، في حين أن الرابعة أي دمشق كرّرت أسطوانة “التوافق اللبناني” الممنوع سورياً من التحقّق.


مؤتمر الكويت


حصل كل ذلك مع بري، في وقت يبلغ التنسيق العربي ـ الأوروبي والتنسيق العربي ـ الدولي مرحلةً متقدّمة حول الوضع في لبنان، أي في وقت ينعقدُ غداً اللقاء العربي ـ الدولي لدعم لبنان في الكويت على هامش مؤتمر دول جوار العراق، بمبادرة فرنسية مؤيّدة دولياً. وهذا اللقاء يستكمل دينامية عربية ـ دولية مشتركة، هي بالتعريف دينامية ضغط على النظام السوري.


إذاً، في هذا السياق، أعلن بري “مبادرته” أخيراً. ففي سياق الضغط العربي ـ الدولي على نظام الأسد، وفي سياق “اللوم” العربي والدولي المتزايد لبري على دوره في الأزمة وتمديدها، أُعلنت هذه “المبادرة”.


“صياغة” جديدة في ظل الضغط العربيّ والدوليّ


يقول بري في تصريحاته الأخيرة إنّه يدعو الى “حوار نصل في نهايته الى إعلان نوايا في شأن النسب في الحكومة المقبلة وفي شأن أيّ دائرة إنتخابية سنعتمد”، ويضيف انّه في ضوء “إعلان النوايا” هذا والالتزام به يُرفع الإعتصام في وسط بيروت وتنعقد جلسة إنتخاب الرئيس فوراً.


في هذه الصياغة “الجديدة” يستبعد بري المفردات “المنفّرة”. لا يقول مثلاً “الإتفاق المسبق على سلة متكاملة”. ولا يقول إن إنتخاب الرئيس “مشروط” بالاتفاق المسبق على الحكومة وقانون الانتخاب. لكنه يقول كل ما كان هو وحلفاؤه يقولونه حتى الآن بـ”حلّة” مختلفة.


“إعلان النوايا”: دفتر شروط مفخّخ


في الأصل، وعلى إفتراض أن الأكثرية وافقت على الربط بين إنتخاب الرئيس وحكومة الوحدة وقانون الإنتخاب، ما كان الاتفاق ـ الافتراضيّ ـ ليكون شيئاً آخر غير “إعلان نوايا”، لأن الحكومة المتفق عليها مسبقاً لا تقوم إلا بعد انتخاب الرئيس، ولأن قانون الإنتخاب لا يبتّ إلا بعد قيام الحكومة.


إذاً إستبدل بريّ الحديث عن “السلّة” و”الاتفاق المسبق” بمفردة جديدة في الاتجاه والمضمون نفسيهما: “إعلان نوايا في شأن النسب في الحكومة وفي شأن الدائرة الانتخابية”. بكلام آخر “تجميل لفظي” لكن “خطاك راوح”.
وحقيقة الأمر هنا انّ الرئيس بريّ بـ”مبادرته اللفظية” الأخيرة يريد الايحاء بأن ثمة تنازلاً ما، كي يبرر ما أعلنه من دمشق بداية وكرره مراراً من أن “سوريا قدمت إشارات تسهيليّة للحوار والمطلوب التقاطها”… أو يريد الإيحاء بأن لا لزوم للضغط على النظام السوريّ. ويريد أيضاً تأكيد “نظريته” لجهة أن الأزمة لبنانية ـ لبنانية وتدور حول ما يسمى “المشاركة” في حين ان الجانب اللبناني ـ اللبناني ليس سوى نتيجة للأزمة في بعدها اللبناني ـ السوري، وفي وقت يعرف الجميع بمن فيهم بريّ نفسه أن لا مشكلة “مشاركة” في الواقع.


وهذه “المبادرة اللفظيّة” تمثّل محاولة للهروب من الضغط العربيّ ـ الدوليّ المسلط على النظام السوري، ومحاولة لـ”تسهيل” عودة بري الى “المسرح” العربيّ والدولي. كما تمثل محاولة للهروب من الضغط الشعبي الداخلي الآخذ في الإتساع مسيحياً بشكل خاص تحت عنوان إنتخاب العماد سليمان فوراً وبلا شروط، في وقت يصيب هذه الضغط مباشرة”الجناح المسيحيّ في المعارضة”.


بريّ و”التنعيم” الاضطراري… دمشق وكسب الوقت


إذاً، لا جديد في ما يطرحه بريّ سوى “الصياغة”. وهذه “الصياغة” المختلفة التي تحتفظ بالشروط نفسها تدل على أن سوريّا لم تعطِ “إشارات تسهيلية”، حتى لو استبق بريّ الأمر بإعلان أن ما يطلبه من “إعلان النوايا” ليس سوى ما تطلبه “المعارضة” التي لا تقبل الضغط عليها في موضوع الشراكة (!). وواقع الأمر انّ النظام السوري ليس في وارد التسهيل لأنه في صدد مواصلة خطة “كسب الوقت” وهو لا يخفى رهانه على متغيرات في واشنطن بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.


لذلك، فإن “مبادرة” بريّ لفظية والتفافية، أي مناورة سياسية جديدة.
وفي جميع الأحوال، إنّ الإيجابية التي يمكن تسليط الضوء عليها، هي إضطرار الرئيس بري الى “التنعيم” في وجه الضغوط محلياً وخارجياً.


أما نظام الأسد، فلا شك أنه مُفاجأ بتصاعد الضغط العربيّ والدوليّ عليه بعد القمة في دمشق. ولا شك انه كان يفترض أنّ “كسب الوقت” متاح له بدون تقطع أو إنقطاع. لكن عليه ألا يفاجأ بعد الآن.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل