أردوغان يتعاون مع الغرب لكسر الحصارين عن الفلسطينيين
تركيا تتوسع سلمياً في المنطقة وإيران تتوسع حربياً
"أوضح مسؤولون أوروبيون بارزون في اتصالات مع جهات رسمية تركية وعربية أن تركيا أمام خيارين كبيرين نتيجة المواجهة القاسية وغير المسبوقة القائمة بينها وبين حكومة بنيامين نتنياهو بعد الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الحرية" المتوجه الى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض عليه:
الخيار الأول: هو أن تتبنى تركيا مواقف المحور السوري – الإيراني الداعم لدولة "حماس" الانفصالية في غزة، فتصعّد المواجهة مع إسرائيل في مجالات عدة وتركز جهودها على إرسال مزيد من السفن من أجل كسر الحصار وتأمين مساعدات غذائية وطبية وإنسانية لأهالي القطاع أياً تكن النتائج والتداعيات.
الخيار الثاني: هو أن تنطلق تركيا من الإنجاز المهم الذي حققته بتوريطها حكومة نتنياهو، فتنضم الى المجموعة الدولية – العربية الواسعة الساعية الى حل النزاع العربي – الإسرائيلي سلميا من أجل تكثيف الضغوط على هذه الحكومة لتحقيق هدفين كبيرين هما تأمين وصول المساعدات اللازمة الى أهالي غزة في إطار عملية دولية واسعة وإطلاق عملية تفاوض جدية في رعاية أميركية – دولية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار وتسوية القضايا الكبرى العالقة وتأمين الحقوق والمطالب المشروعة للفلسطينيين".
هذا ما ادلت به مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس. وأوضحت أن إسرائيل "تفرض في الواقع حصارين على الشعب الفلسطيني، الأول يعانيه خصوصاً أهالي غزة ويأتي في سياق المواجهة بين الدولة العبرية والمحور السوري – الإيراني وحلفائه، والثاني حصار سياسي يتمثل في عرقلة أو احباط كل الجهود الديبلوماسية المبذولة أميركياً ودولياً لحل المشكلة الفلسطينية وفسح المجال لاقامة دولة الفلسطينيين الجديدة في الضفة الغربية وغزة". وقالت ان القيادة التركية تستطيع "أن تقود المعركة مع إسرائيل بمفردها وأن تحقق مكاسب ذاتية وشعبية داخل بلدها وفي المنطقة إذا ما تبنت الخيار الأول وركزت جهودها على تصعيد المواجهة مع الدولة العبرية في قضية إنسانية عادلة ومشروعة هي العمل على إنهاء معاناة أهالي غزة. لكن القيادة التركية تستطيع الاضطلاع بدور أكبر يحقق لها وللفلسطينيين مكاسب أكثر أهمية ويتمثل في التعاون مع المجموعة الدولية – العربية لإغاثة أهالي غزة بطريقة ملائمة ومنتظمة وكذلك لإعطاء دفع قوي للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية وللمساعدة على تحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية فعلاً بالتعاون مع مصر ودول عربية أخرى ولو اقتضى الأمر ممارسة ضغوط على "حماس" لأن ذلك يعزز مواقع الفلسطينيين ويخدم قضيتهم ويساعد على تأمين مطالبهم المشروعة".
وافادت المصادر الأوروبية المطلعة أن تركيا ستتبنى على الأرجح تدريجاً الخيار الثاني لأنه ينسجم تماماً مع سياساتها وأهدافها وخططها الإقليمية والدولية، مشيرة الى أن الدور التركي البارز والنشيط في الشرق الأوسط مرده الى ثلاثة عوامل أساسية هي الآتية:
أولا – أن تركيا دولة قوية مستقرة في منطقة حيوية وإستراتيجية بالغة الأهمية ولكن غير مستقرة وتفتقر الى وجود قيادة عربية تضم دولاً بارزة ومؤثرة وتستطيع تسوية النزاعات والمشاكل وتحقيق الأمن والاستقرار وتعزيز فرص السلام سواء بقدراتها الذاتية أم بالتعاون مع دول كبرى وجهات إقليمية معنية بالأمر.
ثانيا – إن إيران في حال صدام مع العرب لأنها تعتمد إستراتيجية هجومية تسعى من خلالها الى امتلاك السلاح النووي ومحاولة فرض هيمنتها على المنطقة أو على ساحات رئيسية فيها وتستخدم لتحقيق أغراضها العنف والقوة المسلحة وتتدخل سلباً وعلى نحو خطر في شؤون عدد من الدول العربية.
ثالثا – ان أميركا ليست قادرة وحدها، بنفوذها وعلاقاتها وتأثيرها، على معالجة المشاكل المهمة العالقة والأزمات الساخنة في المنطقة، خصوصاً أنها طرف أساسي في نزاعات رئيسية مما يضعف قدراتها على التصرف بحياد وفاعلية.
وأضافت المصادر "ان هذه العوامل تتيح للقيادة التركية فرصة استثنائية بل تاريخية للتدخل سلمياً وديبلوماسيا لمعالجة المشاكل والنزاعات وتطويق احتمالات نشوب حروب جديدة بالتعاون مع دول أخرى، مما يعزز مكانتها ويحقق لها مكاسب سياسية وديبلوماسية واقتصادية وتجارية وأمنية".
الالتزامات الغربية لتركيا
الواقع إن الإستراتيجية التركية في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط وقضاياها ودولها تقوم على الركائز الأساسية الآتية التي حددها وزير الخارجية أحمد داود أوغلو في أبحاث ومقالات نشرتها له أخيراً مطبوعات أميركية وأوروبية، والتي تعكسها مواقف المسؤولين الأتراك الكبار:
أولا – تحرص تركيا، في ظل حكم حزب العدالة والتنمية وبقيادة رئيس حكومتها رجب طيب أردوغان، على أن تكون في وقت واحد جزءاً من العالم الغربي وجزءاً من العالم العربي – الإسلامي وأن تقوم بدور نشيط في الشرق الأوسط على هذا الأساس وليس على أساس الانضمام الى محور معاد للغرب أو في حال مواجهة معه. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وستظل عضواً فيه، لكنها لم تعد تعمل وتتحرك تحت مظلة هذا الحلف وحده كدولة مستقلة مهمة إقليمياً معتمدة في ذلك على سياسة خارجية نشيطة تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار وتعزيز فرص السلام في الشرق الأوسط من طريق الحوار والتفاوض، لا من طريق التهديدات والضغوط والقوة المسلحة.
ثانيا – صارت تركيا أقل اعتماداً على أميركا لضمان أمنها وتأمين مصالحها الحيوية، وقد استطاعت أن تبني مع القوة العظمى روابط من نوع جديد وعلى قواعد صلبة تعززت في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما "تقوم على أساس تقوية العلاقات الثنائية ذات الأهمية الحيوية للبلدين والتعاون معاً من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي"، على حد قول داود أوغلو، وفي الوقت عينه تريد تركيا تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي في كل المجالات. وهذه العلاقة المهمة مع أميركا والدول الأوروبية تفرض على تركيا التزامات ومسؤوليات محددة عدة تمنعها من أن تكون جزءاً من محور إقليمي متشدد تتناقض مصالحه وأهدافه مع المصالح الأميركية – الأوروبية. وفي رأي ديبلوماسي غربي مطلع "ان العلاقة بين أميركا وتركيا معقدة، إذ إن روابط عدة تجمع البلدين وتدفعهما الى التعاون معاً، لكننا نشهد في الوقت عينه تنافساً جدياً بينهما: فأميركا تريد أن تظل الدولة المهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وجوارها مما يجعلها تتمسك بحماية النظام السياسي وموازين القوى القائمة فيها، بينما تريد تركيا أن تصير قوة إقليمية كبرى ليس ممكناً الاستغناء عنها أو تجاهلها حين يتعلق الأمر بشؤون الشرق الأوسط، لذلك تحاول "الإفادة" من النزاعات القائمة في هذه المنطقة والخلافات بين عدد من دولها أو الانطلاق منها من أجل التدخل لتحقيق التهدئة والتقارب والمصالحة ومعالجة الأزمات بالوسائل الديبلوماسية، على أساس أن هذه الجهود تعزز موقعها الإقليمي وتدعم مصالحها الحيوية. والجهود الديبلوماسية التركية تخدم أحياناً مصالح أميركا والغرب وتتناقض معها أحياناً أخرى، لكن العلاقة التركية – الأميركية تظل متينة وجيدة لأنها تمثل مصلحة حيوية للطرفين بقطع النظر عن حصول خلافات على هذه المسألة أو تلك".
ثالثا – تعمل تركيا على إزالة المشاكل العالقة بينها وبين الدول المجاورة لها أو تلك التي لها أهميتها في المنطقة، ويترافق ذلك مع تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع عدد كبير من هذه الدول. ويقول ديبلوماسي أوروبي مطلع "ان تركيا ترفض أن تكون جزءاً من المحور السوري – الإيراني أو من تحالف المتشددين، كما ترفض الاكتفاء بالتعامل مع الدول المعتدلة وحدها، لذلك حرصت وتحرص على تقوية علاقاتها الاقتصادية والتجارية والاسثمارية مع السعودية ومصر والعراق والأردن ولبنان وبعض دول الخليج ومنطقة المغرب العربي، فيما عملت على توسيع نطاق علاقاتها مع سوريا وإيران واعتمدت سياسة الانفتاح على "حزب الله" و"حماس" من دون تبني طروحاتهما ومواقفهما. كما حرصت على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع إسرائيل في مجالات عسكرية وأمنية واستخبارية واقتصادية وتجارية وهي علاقات تدهورت وتجمدت جزئياً من غير أن تنقطع بعد الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الحرية".
التوسع التركي والتوسع الإيراني
رابعا – تعطي تركيا الأولوية لاعتماد "الديبلوماسية السلمية الاستباقية" أي العمل على تطويق الأزمات والخلافات في عدد من الساحات الإقليمية ومنع انفجار النزاعات والمواجهات المسلحة "لأنها تريد الاستثمار في السلام وليس في الحروب والمواجهات كما تفعل دول أخرى"، كما قال ديبلوماسي أوروبي مطلع. وعلى هذا الأساس قامت تركيا بدور الوسيط بين سوريا وإسرائيل عام 2008، فرعت مفاوضات غير مباشرة بين البلدين لم تسفر عن أي اتفاق ولم تحقق أي اختراق، نظرا الى الهوة العميقة بين الموقفين السوري والإسرائيلي، وعلى هذا الأساس أيضاً سعت تركيا الى تحقيق المصالحة بين الأفرقاء السنة والشيعة في العراق، وساهمت في مساعي التهدئة في لبنان وشجعت الرئيس بشار الأسد على الانفتاح على رئيس الحكومة سعد الحريري والتعاون معه، وحاولت تحقيق التقارب والمصالحة بين السلطة الفلسطينية و "حماس" داعمة في ذلك جهود مصر، وتدخلت أخيراً في النزاع الإيراني – الدولي فوقعت مع البرازيل وإيران الاتفاق الثلاثي المتعلق بمبادلة الوقود النووي من أجل تمهيد الطريق أمام تسوية المشكلة النووية الإيرانية سلمياً ومنع نشوب حرب جديدة في المنطقة.
خامسا – تريد تركيا، في ظل قيادتها الحالية، تحقيق خمسة أهداف أساسية خلال السنوات المقبلة، استنادا الى وزير خارجيتها داود أوغلو، وهي: الانضمام الى عضوية الاتحاد الأوروبي بشكل كامل لتصبح دولة ذات نفوذ مؤثر فيه، تحقيق اندماجها الكامل في منطقة الشرق الأوسط من خلال تعزيز علاقات التعاون الإقتصادي والتجاري والسياسي والأمني مع دولها، مواصلة دورها النشيط لتسوية مشاكل المنطقة ونزاعاتها من طريق الحوار وبالوسائل الديبلوماسية وهو ما يتطلب منها التعاون مع دول أخرى تريد تحقيق الهدف ذاته، القيام بدور نشيط في آسيا الوسطى والساحة الدولية عموماً وليس فقط في الشرق الأوسط، العمل من أجل أن تصير تركيا إحدى الدول العشر الأكثر نمواً وتطوراً اقتصادياً في المرحلة المقبلة.
وكما قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان ورفاقه تملك طموحات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهي ليست راغبة في قلب الأوضاع في الشرق الأوسط بل تسوية مشاكله وتصدير جهودها الديبلوماسية وأفكارها الى الدول المتنازعة واستخدام قوتها العسكرية وإمكاناتها لمصلحة الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة ولتعزيز التعاون بين دولها. لذلك يبرز تناقض جوهري بين الطموح التركي والطموح الإيراني وبين الدور التركي الساعي الى التوسع سلمياً ودور إيران الساعية الى تصدير العنف الى ساحات عربية عدة والعاملة مع حلفائها على زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة من أجل محاولة تغيير موازين القوى فيها لمصلحتها بالاعتماد على السلاح ومن طريق تفجير النزاعات وتأجيج الخلافات. بل إن إيران مستعدة لإقحام المنطقة في دوامة حرب جديدة يمكن أن تستهدفها وتتحول حرباً إقليمية، عوض أن تسعى الى التفاوض جدياً مع الدول الست الكبرى من أجل التوصل الى حل سلمي لمشكلتها النووية يقضي بوقف نشاطاتها لامتلاك السلاح النووي في مقابل حصولها على دعم دولي واسع لبرنامجها النووي السلمي وتحسين علاقاتها مع الدول الغربية ومع دول عدة في المنطقة".
وأضاف: "إن تركيا أقرب في توجهاتها وأهدافها الأساسية الى الدول العربية المعتدلة والغرب منها الى المحور السوري – الإيراني بقطع النظر عن المواقف والتصريحات النارية واللهجة العالية لزعمائها في التعامل مع إسرائيل بعد هجومها على أسطول الحرية ". ذلك أن القيادة التركية مقتنعة بأن ضمان المصالح التركية الحيوية يتطلب تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والاحتفاظ بعلاقات قوية مع أميركا والدول الغربية والدول العربية المعتدلة. فتركيا تدعم حل النزاع العربي – الإسرائيلي سلمياً وتؤيد مبادرة السلام العربية وترفض استمرار الانقسام الفلسطيني وتعارض امتلاك إيران السلاح النووي. وهذا كله يدفع الى القول ان تركيا سترفض الانضمام الى المحور السوري – الإيراني في التعامل مع إسرائيل ومع القضية الفلسطينية، بل انها ستتعاون مع الدول العربية والأجنبية البارزة والمؤثرة من أجل كسر الحصارين الإنساني والسياسي المفروضين على الشعب الفلسطيني وقضيته".