
أكد وزير الإعلام السابق ملحم الرياشي، عشية إحياء الذكرى السنوية لشهداء المقاومة اللبنانية، أن “المعنى الفلسفي يرخص في مفهوم الشهادة أمام المعنى اللاهوتي، لأنه في الفلسفة يُحدد حضور الانسان وتقديمه لقضية معينة يشهد لها، ويتقدم التاريخ وتبقى الفكرة التي استُشهد لأجلها. من هنا، الاسقاط الفلسفي على فكرة الشهادة يضعف أمام الاسقاط اللاهوتي، لأنه في يوم من الأيام، جاء شخص على الأرض وقال لنا؛ حين تقولون إنه إله أباءكم إبراهيم واسحق ويعقوب يعني ان هؤلاء أحياء لأن إلهنا إله أحياء لا أموات، إذاً لا يمكن بأي شكل ان نظن او نفكر ان من راحوا ماتوا، هم راحوا وأصبحوا بمقلب آخر من الصورة، لكنهم لم يموتوا وهم موجودون بشكل آخر”.
وأضاف، عبر “لبنان الحر”، أن “الوجود بشكل آخر هو البعد الفلسفي للحضور اللاهوتي في الشهادة، لأننا نفكر بهم ونسترجعهم. كل يسترجع المقربين إليه أو من قرأ عنهم ويخجل الا يكون وفياً لما فعلوه خصوصاً إذا كان مقتنعاً بما فعلوه، ويخجل من لديه قناعة أخرى لعدم احترامه ما فعله الشهداء واستشهدوا لأجله. لأن احترام الشهيد، مهما كانت قضيته، واجب على كل من لديه منظومة قيم. اما من لا يملك هذه المنظومة، فلا داعي للحديث عنه لأنه عابر سبيل في التاريخ لا يقدم ولا يؤخر لا في فلسفة التاريخ ولا في حركته”.
وتابع، “كثر يبذلون ذواتهم بوسائل مختلفة لكن أغلى الشهادات هي شهادة الدم، لأن من يقوم بها يبذل روحه وهو يعلم أنها لن تعود إليه وأنه يقدم شيئاً لا يمكن له ان يستعيده بأي من الأشكال، لا بالمباشر ولا بالمادة. إذاً، من استشهد تجرأ الى حدود الشهادة، لأن الأخيرة تتطلب جرأة كبيرة جداً، وهي فعل المحبة الأعمق والأصلب والأشجع”.
وقال الرياشي، “في صلب عقيدتنا، الانسان هو جوهر كل كيان، والمحور الأساسي الذي يدور حوله مشروعنا، وشهادة من استشهد عن قناعة تستوجب علينا الوفاء له، ومن استشهد وفقاً لغسيل دماغ، تفرض شهادته علينا أن نترحم عليه، خصوصاً من يقنعونه بأمور، فيذهب ليفجّر نفسه، فهو ايضاً انسان خسره أهله وعائلته”.
وأوضح أن “الناس يعتقدون انهم يعيشون في نعمة، لكن قلة الوفاء الّا يعرف الناس قيمة النعمة ومصدرها، وان لنا اخوة واباء واجداد ماتوا لنبقى هنا، مهما كان توجهنا السياسي، لأنهم ماتوا لأجل الأرض وبقيت الأرض وهم بقوا عليها. من المعيب ان ندوس الأرض بقلة احترام لأن هذا ترابهم، ومن المعيب ان نورث ارضنا للغريب لا لأبنائنا، لأنها تراب من راحوا”.
واعتبر الوزير الرياشي أنه “كونياً، الذاكرة جاحدة لأنها لا تُجمع على صورة واحدة وهذا الأمر يتطلب تدريباَ”. وقال، “توفي والدي عام 1998 وكل سنة في ذكرى وفاته، تجتمع العائلة ونذكر والدنا وشهداء العائلة بالأسماء، من خلال قداس نقيمه في المنزل، وعلى كل منا ان يقوم بذلك، لأن الذاكرة كالإيمان تتطلب ممارسة، وذاكرتنا الجماعية تبحث عن الجندي المجهول أو الشهيد المجهول، ومن هنا كل يعرف من هو المجهول لأن لا ذاكرة جماعية حول اسم الا إذا كان بطلاً مثل بشير الجميل، أو قديسًا مثل بولس”.
وأشار الى أن “أكبر مصائبنا أن بعض المسؤولين لا يعرفون تاريخنا ليستطيعوا صنع مستقبلنا، فللأسف آخر كتاب قرأه بعض المسؤولين هو martine a la ferme. فشبابنا الذين ماتوا لم يفعلوا ذلك لأجل الوجود المسيحي إنما لأجل الوجود المسيحي والمسلم والملحد والوجود الحر وحرية لبنان وكرامته، وعدم قبول تحول المُضطهَد الى مضطهِد”.
وشدد على أن “لكل طرف مفهوم للشهادة، ولكن الجيد ان الجميع يحترم الشهداء أكان خصماً أم صديقاً، وفي حال قوله تحت الطاولة عكس ما يقوله فوقها، فذلك يثبت أننا شعب في حاجة لمصالحة مع ذاته، لأن إهانة شهداء الآخرين هي إهانة لشهداء المهين. وهناك صراع سياسي ووطني حاد تمظهر في لحظة بالعنف والدم، وهذا التمظهر بالدم استشهد لأجله الآلاف. واهانة شهيد الآخر هي إهانة للأموات”.
وكشف عن ان “تحضيرات قداس الشهداء قائمة على قدم وساق ولا عراقيل”. واعتبر أن “ما يفعله رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في قداس الشهداء هو لكل شهداء المقاومة اللبنانية، باعتبار ان من يأتي في الساعة الأولى كالذي يأتي في الساعة الأخيرة يأخذ أجره كاملاً، ونفتخر بهذا المنطق لأن جعجع يؤكد لنا بعناد أننا موجودون لأجل شهدائنا”.
وعن مصالحة معراب، قال الرياشي، “القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر ككل القوى السياسية، يتقاتلون ويتصالحون، ولكن بإعلان النيات فصلنا المصالحة عن الخلاف السياسي، بجملة وافق عليها الرئيس ميشال عون والدكتور جعجع وهي عدم السماح للاختلاف ان يصبح خلافاً”.