
ساد السكون. نحو اربعة آلاف شخص ولا من يهمس. شمس مهروقة بسخاء كمن اختار هذا اليوم بالذات، ليتدلل على عيون الاسماء المدروزة قمحا في البيادر. منذ نحو الشهر ونحن ننتظر اللحظة لنسكنها، هم الذين يسكنون عمرا في أعمارنا. جاءت اللحظة اخيرا، وها هو جرس قداس الشهداء يقرع بقوة في معراب.
لا كل ذاك الزهر الابيض العابق بعطرهم، ولا تلك الصور والاسماء اللامتناهية، ولا كل ذاك الحضور الفائق الالتزام والاندفاع، صنعوا تلك اللحظة. كان التواطؤ واضحا من الكل مع الكل علينا، وجلسنا نحن كمن وقع في كمين الحب! اي حب بعد ربي اقوى من ذاك الرابط بين شهيد ووالده، بين دمعة ام وصورة ابنها الحاضر فيها ابدا، بين شهداء يجوبون المكان، يستضيفون الناس، الاهل، رفاقهم الذين كانوا معهم لحظة مجد الشهادة؟ اي حب ربي اقوى من ذاك الالتزام الذي يصنع اللقاء المباشر بين شهداء واحياء فتولد اللحظة النادرة، ويشرقط الوفاء؟
توّج الوفاء الساحة الفسيحة المكتظة بقلوب الحاضرين. زنّر الشهداء ساحات معراب بسلسلة لا تقوى عليها أحدث اسلحة العالم كله، الارض كلها، المحبة، سلاح الرب يسوع، سلاح السماء في وجه شياطين الارض. شياطين الارض ما غيرها التي تحاصر لبنان منذ زمن، وشجعان لبنان يتصدون لها منذ ازمان وازمان.
هنا، هنا في هذه الارض صرخ ويصرخ الشجعان في وجه الجبناء في الحق. هنا، هنا حيث تعبق السماء بحكايات الابطال، يتماهى الشهيد مع المقاومين فيصيرون وحدة حال بين سماء وارض لتصرخ الحقيقة “ما راحوا بعدن احياء فينا وحضورن بيصرخ فينا حياة ومقاومة لابد الابدين”. كان الشهداء يصرخون بحضورهم، يندهون علينا بالبسمة والعناد، كمن يخشى ان نستسلم، ان نتراجع، ان نعود ادراجنا الى بيوت الطاعة المذلّة، ان نخون حضورهم واستشهادهم، وكنا نبادلهم البسمة اياها، عقدة الجبين تلك التي ورثناها من مقاومتهم ونضالهم، وفيها كل كل العناد والاصرار على حمل المشعل. صرخنا معهم “ما رحتوا ومش رح تروحوا”، فاطمأنت قلوبهم ان خيّ لبنان رح يرجع بألف خير طالما ثمة من يصرخ ويغضب ويقول الحق ولو على قطع الرؤوس…
دخل كشاف الحرية، “دخل قلبكن شو بحبكن” همس احد الرفاق. بدأ القداس، كنا جميعا في السكوت نتناول جسد الرب ونبيذه مع الشهداء. دموع رقراقة تلمع تحت شمس ايلول، وايلول ينهمر علينا من حضورهم حنينا، شجنا، الما فرحا رجاء وكل عبق المواسم وبركتها. انتهى القداس، ارتفعت اعلام القوات صارت سماء المساء المائلة صوب ليلها، ترقص بالبيارق.
“لو راحوا صاروا خيالات، سجّل ع جبين الرايات، لـ راحوا وبعدن في قوات، يعني بعدن ما راحوا”، النشيد المترافق مع الفيديو كليب، روى بعضا من سيرة النضال والمقاومة اللبنانية عبر صور حيّة من ارشيف المقاومة، صور اثارت الشجن الممزوج غضبا من دولة حتى اللحظة ما زالت تصر على تجاهل مناضليها الفعليين، المناضلون الذين لولاهم “لما كانت معراب ولا كان قصر بعبدا ولا بقي لبنان” كما قال سمير جعجع لاحقا.
لا بأس يا بنت، تناسي، تجاهلي ولنسمع ما سيقوله الحكيم. قال الرجل الكبير الى لحظته المفضلة، حمّل وردته الحمراء القانية، كل وفائه وامتنانه للشهداء، غرزها تحت ارزة معراب بحراسة مار شربل ومن يشاء من قديسي السماء وصعد الى ثورته ليشنّ على لبنان كل الحب، كل الخوف، كل كل كل الشجاعة للمقاومة والصمود.
لم يقرأ سمير جعجع خطابا، بل نبش قعر قلوبنا وافكارنا المبيتة الدفينة، وأعلنها للملء كما هي، من دون رتوش وزيف المجاملات وكذبات المتملقين وتفاهاتهم. قال ما نريد ان نسمعه ولم نكن اساسا لنتوقعه، كشف افكارنا وما نخشى وما نحب ومما نخاف. سمير جعجع الثائر الشجاع المقاوم العنيد الذي واجه أصعب الظروف واسوأ الناس على الاطلاق، من عملاء ومحتلين، كان خائفا! كان خائفا وهو يصرخ في وجه الظلم والتجار والمحتلين والفاسدين، ولم يكن خوف الجبناء، بل خوف الشجعان على من بذلوا حياتهم لأجل وطن، واذ الوطن ينزلق كالصابون من بين ايدي الشرفاء. الثائر الكبير خاف على بلاده فأعلن على من يحكمها ثورة الاصلاح، خاف على اهل هذه الارض فطنطن في ضمائرهم اجراس الانذار ليستفيقوا وليثوروا وليدافعوا عن الوطن النبيل، عن الارض المقدسة، عن الاحياء وعن ارث الشهداء.
اراد سمير جعجع ان يتمثّل بسيده الاله حين حطم الهيكل فوق رؤوس التجار، فحطم قيود اللغة المستعارة من معجم النفاق، وقال الاشياء بأسمائها، هيك صافية رقراقة بالحب والصدق لاجل وطن تكاد تختفي كل معالمه الحلوة المقدسة النبيلة في بحور النفاق والفساد والعمالة.
“لنا لبناننا ولهم لبنانهم. لنا جمهورية الارز واكاليل الغار، ولهم جمهورية الموز وعروش العار”، أي كلام بعد اكبر من هذا الكلام، حين يختصر مسؤول بجملة واحدة، ما يعاني منه وطن بأكمله؟
لم يكن خطاب سياسي لسمير جعجع، كان صراخ الناس وغضبهم ويأسهم وضيقهم، يتمايل فوق ورقته البيضاء التي تحوّلت الى ساحات تشبه تماما ساحات الحرية في ثورة ارز، وبدا الارز وكأنه يصرخ في اذن الحكيم “علّي صوتك بعد، اذا انت اليوم سكتت انا بتيبس غصوني….” وتركنا ساحة معراب والشهداء يلوحون لنا، وبقينا في معراب حيث عيون الحكيم تعلن علينا الحب.
