
بهدوء وأعصاب باردة، وبعيداً عن المواقف الطنانة الرنانة والتهديدات المتبادلة المعلنة، تقرأ مصادر سياسية العملية التي نفذها حزب الله باستهداف آلية عسكرية في مستوطنة أفيفيم عصر الاحد الماضي، ولم تسفر عن إصابات، ردا على مقتل عنصرين للحزب في سوريا ليل السبت ـ الاحد ما قبل الماضي، كما وعد أمينه العام السيد حسن نصرالله. بالإضافة الى طبيعة الرد الاسرائيلي، بإطلاق نحو 100 قذيفة مدفعية باتجاه مصادر النيران في جنوب لبنان، كما أعلن الجيش الاسرائيلي في بيان.
وتقول المصادر في تصريحات الى موقع ” القوات اللبنانية” الالكتروني، إنه “لولا الحياء، لأعلن حزب الله وإسرائيل أن هذا التصعيد المحدود بينهما الذي شهدته الحدود الجنوبية متفق سلفاً على حدوده وطبيعته ومساحته، وحتى فترته الزمنية التي بالكاد تجاوزت نصف ساعة من الوقت، حفظاً لماء الوجه”.
ولا تستبعد المصادر ذاتها “وجود اتفاق، بالواسطة، بين الطرفين على ايجاد مخرج مقبول لإنهاء القضية. وهذا ما يفسّر تمهُّل حزب الله في استهداف الآلية العسكرية الاسرائيلية حينما كان الجنود على متنها والتأكد من خلّوها من الجنود قبل إطلاق الصاروخ عليها، مع الأخذ في الاعتبار عدم رغبة الحزب، أو عدم قدرته، على تحمُّل أي خطأ قد يفتح الصراع باتجاهات من الصعب تقدير محاذيرها”.
من جهته، لا يوافق العميد المتقاعد خليل الحلو، في حديث الى موقع “القوات”، على “دقة هذا السيناريو”، ويقول “لا أعتقد أن الأمر (تركيبة)”. ويرى أن “عدم سقوط إصابات في صفوف الاسرائيليين ربما لأنهم اتخذوا ناحية الحيطة والحذر منذ عملية الضاحية الاخيرة، وقاموا بتخفيف دورياتهم وتفادي الاماكن المنظورة التي يمكن أن تشكل خطراً عليهم من الداخل اللبناني، بانتظار تكشف كامل المعطيات حول ما حصل”.
ويعتبر أن “الطرفين لديهما رغبة في عدم التصعيد بهذه المرحلة. فرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ليس في وارد الدخول في عمليات ردود مضادة، خصوصا وأنه مقبل على انتخابات في 16 أيلول الحالي، ووضعه دقيق، إذ في حال خسارته سيواجه القضاء هو وزوجته بتهم فساد. كما أن نتنياهو، والقيادة الاسرائيلية معه، لا يزال يرى أن عدد وكمية ونوع الصواريخ الدقيقة التي يمتلكها حزب الله في لبنان لم تبلغ بعد نقطة تشكل فيها خطراً حقيقياً على إسرائيل”.
أما بالنسبة إلى حزب الله، فيشير إلى أن “عدم رغبته بالتصعيد تعود لمعرفته أن ميزان القوى يميل لصالح إسرائيل، وأن المسألة هذه المرة ستكون مختلفة تماماً عن حرب تموز 2006. كما أنهم في حزب الله يرون أن الاسرائيليين يعدون ويظهرون على الملء ما سيقدمون عليه في حال اندلعت الحرب. وبالتالي حزب الله لا يريد الدخول في هذا الأمر، ولا إيران تريده أن يفعل، فورقة حزب الله لا تلعبها إيران في ظرف مماثل، بل حين تكون هي معرَّضة إلى عمل كبير، وهذا أمر غير متوفِّر إقليمياً”.
ويلفت العميد المتقاعد الحلو إلى أن “نصرالله أعلن للمرة الثالثة خلال سنة أنه يمتلك صواريخ دقيقة، إذ سبق وصرَّح بذلك قبل أن يتحدث نتنياهو في مجلس الأمن عن هذه المسألة العام الماضي، وقلة تنتبه لهذه النقطة. وهو أول من تحدث عن وجود صواريخ دقيقة في لبنان بيد الحزب في خطب عاشوراء السنة الماضية، وبعده بنحو عشرة أيام تحدث نتنياهو في الأمم المتحدة عن أن حزب الله يصنِّع هذه الصواريخ في لبنان. حزب الله أنكر تصنيع الصواريخ على الأراضي اللبنانية، لكنه أعلن عن امتلاكها. وهذا هو السبب الجوهري وراء التصعيد القائم”.
ويوضح أن “الحديث هنا يدور حول الصواريخ الموجَّهة الدقيقة التي لا تخطئ هدفها، والإيرانيون يمتلكون أنواعاً عدة منها، بينها (فاتح 310، وبدر 313، وزلزال 3)، وهي صواريخ موجَّهة يمكن التحكم بها بعد إطلاقها وتصحيح مسارها إذا اقتضى الأمر وتوجيهها بدقة لإصابة الهدف”.
ويعتبر العميد المتقاعد الحلو أن “حقيقة الخرق الاسرائيلي الذي حصل في الضاحية لا يمكن لأحد أن يتأكد منها بانتظار أن تكشفها الأيام تباعاً. لكن بالتأكيد كي تقوم إسرائيل بهذا الخرق فلسبب موجب وهدف نوعي. أما رد حزب الله فأتى تحت سقف التوقعات، فلم يكن أحد يتوقع رداً كبيراً نظراً للأسباب التي ذكرناها، وتجنُّب جرّ الأمور إلى ما يشبه حرب تموز 2006، أو ردوداً كبيرة كما يحصل في الغارات الاسرائيلية في سوريا، وهذا ما أوقف المسألة عند هذا الحد في الوقت الحاضر”.
لكنه يشدد على أن “الحرب لم تنته ولم تتوقف القصة بردّ وردّ مضاد. هناك اتهام لحزب الله بامتلاكه صواريخ دقيقة، والحزب لم ينكر ذلك إنما هو ينكر وجود مصانع لتطوير الصواريخ في لبنان. بالتالي المشكلة هنا ولا تزال قائمة، والأمور مفتوحة ولا أحد يمكن أن يتوقع كيف ستتطور”.
من جهتها، تعتبر المصادر السياسية أن “هناك أطرافا عدة قد تكون ساهمت برسم حدود الرد بين الجانبين، فرنسية أميركية روسية وغيرها. فلا إيران، وبالتالي حزب الله، قادرة على الغوص في حرب كبيرة في ظل العقوبات الخانقة، بالاضافة الى مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون القائمة على خط واشنطن طهران. ولا نتنياهو يريد حرباً واسعة على أعتاب الانتخابات الاسرائيلية. والولايات المتحدة ليس من مصلحتها هز الاستقرار في المنطقة والذهاب الى حرب، طالما أن العقوبات على طهران وحزب الله تفعل فعلها”.
وتضيف، “كذلك روسيا، التي تتحرك في أكثر من اتجاه، غير راغبة في التصعيد وزيادة منسوب التوتر نظراً لما يمكن أن يشكله من مخاطر على تثبيت حضورها ودورها في سوريا والمنطقة. والتفاهمات والعلاقات المتينة بين موسكو وتل أبيب ليست سراً خافياً على أحد، والأولى تؤكد على لسان كبار مسؤوليها عدم السماح بتهديد أمن إسرائيل”.
أما عن تصدي المراجع المسؤولة للأخطار المحدقة وطريقة تعاطيها مع المسألة، فيشير العميد المتقاعد الحلو إلى “أن الدولة والحكومة اللبنانية Ovrira، ليسوا هنا”، لافتاً إلى أن “أركانها في تحالف عضوي مع حزب الله، وهم راضون، ويخبروننا كل يوم قصة عن المقاومة ونظرية الجيش والشعب والمقاومة، والتخلي عن السيادة بالكامل”.
وتوافق المصادر السياسية لموقعنا على هذه الرؤية، وتعتبر أنه “من المعيب هذا الاستسلام الكلي من قبل بعض أركان الدولة وتغطية حزب الله كما يشاء وساعة يشاء، وتخلّيهم عن مسؤولياتهم الدستورية والوطنية والوقوف متفرّجين راضخين لإرادته واختطافه القرار الاستراتيجي للدولة، وتوريط لبنان في حروب ومعارك بتوقيته”.
وتستغرب “كيف أن بعض المسؤولين يستجدون العطف الدولي للململة آثار عمليات حزب الله وتمسيح نتائج قراراته المتفردة من جهة، ويتعمقون في الاستجداء لنيل المساعدات المالية لإنقاذ الدولة من الافلاس والانهيار الشامل من جهة أخرى، في ما يشبه حالة انفصام كليّ ناجز”.
