من المعيب أن يتحول موضوع حقوق اللاجئين الفلسطينيين، ورقة سياسية تستعمل إما لتبييض الصفحات وإستجداء شهادات حسن السلوك وإما لإحراج البعض ودفعه إلى ردات فعل غرائزية وغير مدروسة. ألم يحن الوقت بعد لمقاربة هذا الموضوع بشكل موضوعي وعقلاني؟ ألم يحن الوقت بعد، لاسيما بعد فعل الندامة الذي تلته السلطة الوطنية الفلسطينية، ممثلة بسفيرها عباس زكي في لقاء الصيفي، عن الممارسات السابقة، ألم يحن الوقت بعد لمقاربة إنسانية بعيدة عن منطق "هِنّي أصل البلا، بيستاهلو. يدبّرو حالن"؟
صحيح أن لللاجئين الفلسطينيين في لبنان حقوق، وإن لم يكن لبنان من الموقعين على إتفاقية الأمم المتحدة لللاجئين الصادرة عام 1951؛ فمندرجاتها بلغت مستوى العرف الدولي الملزم: الحق بعدم الترحيل إلى حيث الخطر، الحق بالسلامة الجسدية والحماية، الحق بالعمل، الحق بالضمان الإجتماعي… وإذ كان في الدعوة إلى تنفيذ هذه البنود مناصرة للحق، فهي في الوقت عينه مثال على التعارض بين الحق ومبدأ العدل، إذا أخذنا قدرات الدولة الإقتصادية والمالية. كيف لا، واصحاب هذه الدعوة قد شاركوا في الحكومات السابقة وكانوا مؤتمنين على واحد من صناديق الدولة الرسمية، وهم أدرى بحالة العجز المالي والإقتصادي؟
من حق أي لاجئ التمتع بالحقوق المدنية والإجتماعية، ولكنه من غير العدل أن تسعى الدولة لتأمين هذه الحقوق لللاجئين قبل تأمينها لمواطنيها.
من حق أي لاجئ أن يزاول عملاً، ولكنه من غير العدل أن تفتح الدولة أسواق العمل أمام اللاجئين فيما يهاجر مواطنوها مرغمون بحثأً عن لقمة العيش.
من حق أي لاجئ التمتع بالرعاية الصحية، ولكنه من غير العدل أن تسعى الدولة لتأمينها لللاجئين فيما صندوق الضمان يعاني عجزاً مالياً، ولا قدرة له على تأمين حاجات المواطنين.
أمام هذا الواقع، قد يشكل الإقتراح الآتي مدخلاً إلى نقاش جدي، علمي وعملي:
أولاً، يُنشأ مكتب للتوظيف تحت إدارة الأنروا، يكون له حق إصدار بطاقات عمل لللاجئين المسجلين لديه؛
ثانياً، يسعى المكتب للتعاقد مع أصحاب المهن والمصالح التي تندرج ضمن قائمة الأعمال الصادرة عن وزارة العمل والتي تحدد الأعمال التي يحق للاجئين الفلسطينيين ممارستها؛
ثالثاً، يمدّ مكتب التوظيف أًصحاب المهن والمصالح المذكورة باليد العاملة الفلسطينية، على أن تكون العلاقة التعاقدية بين المكتب ورب العمل، وعلى أن تُدفع الأجور للعمال بواسطة المكتب؛
رابعاً، يكون لمكتب التوظيف وحده الحق بتمثيل العمال المسجلين لديه أمام المحاكم في أي نزاع ينشأ مع رب العمل، على أن يستفيد المكتب من الإعفاءات المقررة للعامل اللبناني أمام المحاكم؛
خامساً، يُنشأ صندوق ضمان خاص للعاملين الفلسطينيين المسجلين لدى مكتب التوظيف ويكون أيضاً تحت إشراف الإنروا. يُموّل هذا الصندوق من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية، جامعة الدول العربية، منظمة الدول الإسلامية وأرباب العمل (بالمعدل الذي يُدفع عن كل أجير إلى الصندوق الوطني للضمان).
أما عن حق اللاجئين بالتملك، فالحل يكون بإعادة النظر بقانون تملك الأجانب، وإعتماد مبدأ الإيجار الطويل الأمد bail emphytéotique للحؤول دون إنتقال ملكية العاصمة ووسط بيروت وغيرها من مناطق لبنان إلى غير اللبنانيين.