ما دام لبنان محكوماً بالنظام التوافقي في ظل المناخ الطائفي
لا استقرار سياسياً وأمنياً واقتصادياً إلا بتحييده
إذا كان قطوع انقسام الحكومة عند التصويت على موضوع العقوبات على إيران قد مرّ بسلام وكان انقساماً سلبياً متعادلاً وقدّرت الدول المعنية ظروف لبنان الدقيقة بامتناعه عن التصويت وإلا لكان دفع ثمن ذلك أزمة وزارية مفتوحة على المجهول، فإن تكرار هذا الانقسام عند مواجهة مواضيع مهمة وحساسة قد لا يمرّ بسلام…
لذلك ترى اوساط سياسية أن يصير البحث منذ الآن في آلية تجعل التصويت يخضع لنظام يحول دون ان تنفجر نتائجه أزمات داخلية، أو أزمات مع الخارج.
لقد حدد دستور الطائف في المادة 65 منه عدد المواضيع التي تحتاج الموافقة عليها الى اكثرية ثلثي عدد الوزراء الذي تتألف منه الحكومة اذا تعذر التوافق عليها، وجعل الموافقة على المواضيع العادية تتم بالاكثرية العادية اي اكثرية الحضور، وهو حضور ينبغي الا يقل عن الثلثين كي يكون نصاب الجلسة قانونياً ويؤمن تاليا مشاركة كل القوى السياسية الاساسية ولا سيما المذاهب في التصويت على القرارات.
ورغم ان دستور الطائف وضع آلية للتصويت وكان النظام الديموقراطي العددي هو المعمول به، فإن عملية التصويت كانت تمر احيانا بصعوبات واشكالات لها خلفيات سياسية او مذهبية تفرض تأجيل التصويت او صرف النظر عنه واخذ الوقت الكافي للتوصل الى توافق على الموضوع المطروح والمثير للخلاف والانقسام.
وبما ان العودة الى النظام الديموقراطي العددي تبدو صعبة في ظل الاحزاب والتكتلات الطائفية والمذهبية، وبات النظام التوافقي هو الذي يفرض نفسه الى ان يصير اتفاق على النظام الملائم لتركيبة لبنان الدقيقة والحساسة، فانه مطلوب من الزعماء اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم ان يتفقوا على طريقة تطبيق هذا النظام كما صار اتفاق على تطبيق النظام الديموقراطي العددي بموجب المادة 65 من الدستور التي حددت المواضيع الاساسية التي تحتاج الموافقة عليها الى ثلثي عدد الوزراء، وذلك كأن يطرح على التصويت الموضوع الذي يحتاج للموافقة عليه الى اكثرية عادية او الى اكثرية الثلثين او اكثر عندما يتعذر التوافق عليها، او كأن يتم الاتفاق على ان يعرض الموضوع المثير للخلاف على جلستين او اكثر لمجلس الوزراء في محاولة للتوافق من دون حاجة للجوء الى التصويت، فإذا لم تنجح المحاولة يصبح اللجوء اليه امرا محتوما حرصا على حسن سير عمل المؤسسات وتأمين خدمة الوطن والمواطن.
الواقع انه اذا بقي تطبيق النظام التوافقي من دون آلية تحدد كيفية تطبيقه في مجلس الوزراء، فان الحكومات التي يتم تأليفها بموجب هذا النظام وتجمع في داخلها الاكثرية والاقلية من الوزراء الاضداد، تبقى معرضة للانفجار في اي وقت وتنشأ عن ذلك ازمة حكم وليس ازمة وزارية فقط، وهو ما كاد يحصل مع الحكومة الحالية المنقسمة على نفسها حول كثير من المواضيع لو ان فريقا وزاريا أصر على رفض العقوبات على ايران تحت طائلة التهديد بالانسحاب من الحكومة وفريقا آخر اصر على تأييد العقوبات تحت طائلة التهديد بالاستقالة ايضا، الى ان كان التوافق على مخرج الامتناع عن التصويت لتدارك عواقب الانقسام المتساوي لا بل تفهّم الدول المعنية، سواء تلك التي تؤيد العقوبات وتلك التي تعارضها، لوضع لبنان ودقة تركيبته السياسية والمذهبية.
إن الحكومة الحالية وكل حكومة اخرى يتم تأليفها على النحو الذي تفرضه سياسة التوافق او "الشراكة الوطنية"… تحتاج الى توافق على تحديد المواضيع الاساسية التي يتطلب اقرارها تصويت الاكثرية العادية او الاكثرية المطلقة او اكثرية الثلثين او اكثر، لتأمين حسن سير عمل المؤسسات فلا تتعرض للشلل من جراء استمرار الخلاف بين الوزراء على اتخاذ قرارات بالتصويت بل بالتوافق فقط او اعتبار التعادل في الاصوات ان لا قرار. فقد يطرح في المستقبل على سبيل المثال تسليم متهمين بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الى المحكمة ذات الطابع الدولي، او يطلب اتخاذ موقف من الاتفاق الامني مع اميركا او من خلاف قائم بين دول عربية او اقليمية او بين دول اجنبية، او اتخاذ موقف من خلاف اذا ما حصل بين ايران وتركيا، او بين ايران وسوريا وتركيا من جهة ودول عربية اخرى مثل السعودية ومصر، أفلا يؤدي اتخاذ اي موقف الى ازمة وزارية قد تتحول ازمة حكم؟ حتى ان الخلاف على مواضيع داخلية مثل الغاء الطائفية وبقاء السلاح خارج الدولة غير خاضع لإمرتها، قد يثير ازمات ايضا ما دام لبنان لا يستطيع العودة الى النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية وتتحمل مسؤولياتها امام مجلس النواب والشعب، والاقلية تعارض الى ان تحوّل نتائج الانتخابات النيابية الاقلية اكثرية والاكثرية اقلية ليكون للانتخابات عندئذ معنى وللديموقراطية التي هي حكم الشعب مفهوم، والا فأي معنى للانتخابات اذا لم تفرز اكثرية تحكم واقلية تعارض بل جمعهما في حكومة واحدة بحيث تنتقل المعارضة عندئذ من مجلس النواب اليها.
الى ذلك، فان كثيرين يرون رأي الرئيس امين الجميل بقوله في حديث اذاعي "ان مستقبل لبنان واستقراره والسلام الداخلي فيه ووحدته مسائل مرتبطة بموقف لبنان المحايد عن ازمات المنطقة والعالم". وقد حض على اعتماد هذا التوجه والتأسيس لسياسة جديدة تقوم على عقيدة الحياد الايجابي مع تأكيد التضامن مع الموقف العربي بما يخص الصراع العربي – الاسرائيلي. وكشف انه "كان خائفا على الحكومة عند التصويت على موضوع العقوبات على ايران، فلو انها استقالت لذهبنا الى ازمة سياسية خطيرة"، واعاد التذكير ببرنامج عمل الكتائب عام 2008 الذي يركز على الحياد الايجابي وعلى لبنان مساحة حوار وعلى الدولة المدنية واللامركزية الموسعة. حتى ان النائب وليد جنبلاط قال تبريرا لتأييد امتناع لبنان عن التصويت في موضوع العقوبات على ايران، ان لبنان الدولة الصغيرة لا تستطيع تحمّل عواقب الدخول في لعبة الامم.
لذلك، فان تحييد لبنان عن الصراعات العربية والاقليمية والدولية، هو الحل الذي يضمن امنه واستقراره ويحميه من التجاذبات والصراعات، وان من مصلحته خصوصا في الظروف الدقيقة الراهنة، وفي ظل السياسة التوافقية التي تفرض الاحزاب والتكتلات الطائفية اعتمادها، ان يكون لبنان على الحياد عندما يكون العرب منقسمين وان يتوافق على القرارات في المواضيع المهمة ويضع آلية لطريقة عرضها والتصويت عليها اذا ظل التوافق متعذراً، وان يتم تمثيل الاحزاب والكتل في الحكومات بنسبة حجمها الى ان يصير في الامكان العودة الى اكثرية تحكم واقلية تعارض.