لا أحد يحلُّ محلَّ اللبنانيين. لا أحد يستطيع أن يأخذ دورهم. لا أحد يعرف هذا اللبنان وسرِّه ومغزاه وفحواه وتمايزه أكثر من اللبنانيين أنفسهم، الذين لم يتفقوا يوماً على "الوطن النهائي" الذي لم يصبح وطناً بعد. لا قبل الاستقلال ولا بعده. لا قبل الثورة البيضاء والثورة الحمراء ولا بعدهما. لا قبل حروب قايين وهابيل والآخرين ولا بعدها.
لكن قدر هذه الشعوب، هذه القبائل، هذا الشتات، هذه الفيالق، هذه الأحزاب والجيوش و"المقاطعات" و"المربعات" و"المخمّسات" ان تلتقي. أن تستيقظ. ان تلتفت الى ما تفعله في بلد بات مضرب مَثلٍ في المعمورة.
هذا الكلام ليس مجرد انفعالات عابرة. ولا هو مقدمة لخطبة أو موعظة في جماهير غافلة مستكينة تنهش لحم وطنها وهي تظن انها تدافع عن مصالحها، أو مكاسبها، أو حصتها.
إنه مصارحة، وربما للمرة المئة، لاولئك الذين يقيمون في الأراضي اللبنانية ويحملون الجنسية اللبنانية، لكنهم ما زالوا يدينون بالانتماء والولاء الى طوائفهم وقبائلهم وامتداداتها في المحيط القريب، وفي الجغرافيا المترامية.
لا أحد يحل محلكم. لا الشرق ولا الغرب. لا العرب ولا العجم. لا الأشقاء ولا الأصدقاء.
ولا أحد أشدّ غيرة ولهفة وحنواً على لبنانكم أكثر منكم.
أَلا تذكرون المزمور "إن لم يبن الربُّ البيت فباطلاً يتعب البناؤون"؟
عبثاً تتقدَّم تركيا فرسخاً، وعبثاً تتراجع مصر خطوة، وعبثاً تطمح ايران او تطمع، وعبثاً تأتمر جامعة الدول العربيَّة، وعبثاً يقررٍّ مجلس الأمن، وعبثاً يخطب نيكولا ساركوزي ويصرّح باراك أوباما، و"تُقَصْدِنُ" إنغيلا ميركل، إن لم يقرّر اللبنانيون أن يغادروا هذا الدغل، هذه المغارة، هذا البؤس، هذا التخلُّف، هذه الجهالة…
إن قوة لبنان ليست في ضعفه. وليست في تفرِّد حزب، أو طائفة، أو فريق، أو تنظيم في اتخاذ القرارات السياسية والدفاعية والمصيريَّة والحلول محل الدولة، محل المؤسسات التي يتألف من مجموعها ما يصير عادة وطناً… لم يصره لبنان بعد.
فلبنان يقوى بكل فئاته وتلاوينه وبيارقه ومشارب الناس الذين يضمهم تحت جناحيه. وبكل الطوائف الثماني عشرة التي تؤلّف مزيجه، وصيغته، وفرادته، وتميّزه.
والتي لولاها لما كانت الصيغة، ولما كان النظام، ولما كان هذا البلد – الرسالة.
وهو، في المقابل، ضعيفُ ضعيفُ حتى الهزال. حتى التفسُّخ والتفكك والتقاتل. وحتى تلاشي المؤسسات وضمور الدولة، اذا ما سعى الى "خطفه" هذا الفريق أو ذاك. واذا ما حاول الهيمنة عليه هذا الحزب أو ذاك. واذا ما عنَّ على بال طائفة ان تستأثر به وتصادره مثلاً .
قوة لبنان في قوة دولته والتفاف شعبه حول هذه الدولة. وما عدا ذلك من مواقف ومحاولات ضرب من ضروب تبديد الدولة وتمزيق لبنان الى الأبد.