#adsense

لبنان في مجلس الأمن: تحديات وفرص

حجم الخط

أشهر ستة مرت على عضوية لبنان الثانية في مجلس الأمن، تخللتها رئاسة المجلس خلال شهر ايار (مايو) الماضي. وللتذكير فإن لبنان كان عضواً في مجلس الأمن بين عامي 1953 – 1954، وشهد المجلس في اليوم الأخير للرئاسة اللبنانية مناقشة الاعتداء الإسرائيلي على "أسطول الحرية". وأبدى عدد من السياسيين اللبنانيين مخاوفهم وتحفظاتهم عن ترشيح لبنان عن المجموعة العربية لعضوية مجلس الأمن باعتبار أن الرياح الدولية والإقليمية العاتية التي ستمر على طاولة المجلس قد تشكل إحراجاً للبلد الصغير المثقل بمشاكله وهو في غنى عن ذلك. ولكن تغلب الرأي الذي يعتبر أن مجلس الأمن يقدم فرصة اذا ما احسن التعامل معها تفتح آفاقاً وتسجل نقاطاً لمصلحة لبنان، حتى لا يبقى قابعاً في غرفة الانتظار في المسرح الإقليمي للشرق الأوسط. عناصر خمسة يجب التذكير بها في هذا المجال وهي:

أولاً: ان السياسة الخارجية النشطة هي أكثر من امر ضروري لدولة صغيرة، فهي توفر شبكة أمان وتستطيع اذا احسنت ادارتها ان تجعل من استقرار البلد ووضعه في حال طبيعية ضرورة اقليمية ودولية. ان سياسة خارجية نشطة ضرورة لبلد تقع جغرافيته في قلب منطقة الزلازل، وحيث ان الاجتماع او سوسيولوجية البلد وسياساته تجعله منكشفاً في وجه التوترات والنزاعات والمواجهات.

ثانياً: ان ديبلوماسية ذات فعالية لا يمكن الا ان تكون نتاج سياسة خارجية نشطة، والقول ان انكشاف البلد وضعفه يفرضان سياسة خارجية خجولة وشبه غائبة لا يمكن الا ان يكرس هذه الهشاشة ويجعلها سمة قائمة وملتصقة بالبلد، في حين ان الانخراط في السياسات العالمية والنجاح في هذا التحدي يحصن الدولة الوطنية.

ثالثاً: ليس من السهل في الوضع الحالي بلورة سياسة خارجية نشطة ولكن من الضروري الرهان على هذا الأمر من دون رفع السقف عالياً، ومع التأكيد ان هناك مجال غير صغير من التفاهم والتوافق على المستوى الوطني يمكن تعزيزه وتثميره واعادة انتاجه ليشكل قاعدة لسياسة خارجية نشطة.
رابعاً: في الدول الديموقراطية تكون السياسة الخارجية جزءاً من السياسة الداخلية ولكن دائماً في اطار ثوابت الأولويات المنبثقة عن التوافقات الوطنية، أما في الديموقراطية التوافقية بين الطوائف كما هي حال النظام اللبناني فإن السياسات الداخلية عادة ما تكون تحت تأثير الخيارات والعلاقات السياسية والعقائدية الخارجية التي تحملها المكونات السياسية الطائفية، وهو ما يعقد عملية صنع القرار الخارجي.

خامساً: ان سياسة خارجية نشطة تفترض وجود رؤية لدور الدولة في العالم ولموقعها، وبلورة اولويات على الصعيد الاقليمي والعالمي ضمن ضوابط الإمكانات الممكنة واستثمار الامكانيات الضرورية البشرية خدمة لهذه السياسة.

وظائف خمس وفرتها عضوية لبنان غير الدائمة في مجلس الأمن: اولاً ان المجلس يمكن ان يكون منصة انطلاق او إطلاق لمبادرات وسياسات على الصعيد العالمي. ثانياً: المجلس قادر على ان يوفر منتدى للحوار حول قضايا ومسائل يمكن ان تتحول بعد ذلك الى قرارات وسياسات، وتولي رئيس مجلس الوزراء اللبناني رئاسة احدى جلسات مجلس الأمن حول تقارب الثقافات يقدم دليلاً مهماً على هذه الوظيفة. ثالثاً: يمكن لبنان ان يكون ناطقاً باسم العالم العربي في القضايا التوافقية العربية على رغم قلّتها واستنباط توافقات الحد الأدنى الممكن طرحها امام مجلس الأمن وعبر المجلس على العالم. رابعاً: يمكن أن يوفر المجلس دور الجسر للبنان بين العالم العربي والعالم حول مسائل تتعلق بالديبلوماسية المتعددة الأطراف. خامساً: المجلس هو بمثابة الحكومة السياسية الأمنية للعالم على رغم عجز شرعيته الدولية ومحاولات معالجة هذا الأمر من خلال توسيع المجلس ليصبح اكثر فعالية على الصعيد العالمي.

هنالك مجالات خمسة للنشاط اللبناني في مجلس الأمن. اولاً ما يتعلق بالملف النووي الإيراني. فالقضية التي تثيرها الولايات المتحدة والقوى الغربية في شكل عام تتعلق اكثر بدور ايران وموقعها في المنطقة، والامتناع اللبناني عن التصويت على مشروع قرار العقوبات الخاص بايران، على رغم ما أثاره من نقاش اتسم ببعض الحدة في الداخل اللبناني وهذا شيء طبيعي، فقد كان اكثر من ضروري لجملة من الأسباب: اولها عدم وجود توافق لبناني على التصويت ضد مشروع القرار، وثانياً عدم وجود توافق عربي ضد مشروع القرار ولبنان يمثل المجموعة العربية وبالتالي يأتي هذا الامتناع كحل وسط بالنسبة للموقف العربي وثالثاً، لا يعتبر الامتناع تأييداً ضمنياً لا بل هو معارضة مخففة. ورابعاً، لم يكن ممكناً لبنانَ أن يصوت كما صوتت تركيا والبرازيل، فلا جغرافيته الاستراتيجية ولا وزنه يسمحان له بهذا الأمر، وخامساً، ان رجل السياسة لا توجد لديه التزامات تفرض عليه الأخذ بعين الاعتبار المعطيات الخارجية لكن رجل الدولة عليه ان يقيم توازناً بين المعطيات الداخلية والخارجية الدولية. وقد كان هنالك تفهم للموقف اللبناني من جانب الأطراف الدولية المعنية وفي طليعتها ايران.

على لبنان ايلاء اهتمام خاص بتحصين القرار 1701 اذ ليس من الممكن الذهاب ابعد من ذلك في تنفيذ هذا القرار كلياً والانتقال من مرحلة وقف الأعمال العدائية التي يلحظها القرار الى حالة وقف اطلاق النار التي تفترض تحقيق شروط من قبل الأطراف المعنية لا تسمح الظروف الراهنة بالتوصل اليها، لكن ميزان الردع الذي استقر بعد العدوان الاسرائيلي في صيف 2006 يحمي الوضع القائم الذي يبقى انتقالياً ويسمح بتعزيزه وبجعل أي عدوان اسرائيلي مكلفاً وبالتالي يمنع حصوله. لكن لبنان يبقى معرضاً لتحمل تداعيات استراتيجية توتير تخرج عن سياقها أو استراتيجية تصعيد تقوم على حسابات خاطئة سواء في اطار الصراع العربي الاسرائيلي او المواجهة الأميركية الايرانية، فحماية القرار 1701 وتحصينه وتعزيز الهدوء يجب ان تبقى اهدافاً حيوية توظف لها الديبلوماسية اللبنانية امكاناتها وعلاقاتها الى ان تتم تسوية الصراعين الناظمين لسياسات المنطقة اللذين اشرنا اليهما.

الجمود الحاصل في ديبلوماسية الصراع العربي الاسرائيلي والحامل كافة انواع الراديكاليات والتوترات وانسداد الأفق امام احتمالات العودة الى مفاوضات على أسس مؤتمر مدريد للسلام والاستمرار في "لعبة" المحادثات غير المباشرة فيما تستمر السياسة الاسرائيلية في رفض السلام وتغيير شروط تحقيقه، كما يجري على الأرض ديموغرافياً وجغرافياً ما بات يستدعي الذهاب بالقضية برمتها الى مجلس الأمن. فلبنان له مصلحة كبرى على الصعيد الوطني مثلما على الصعيد القومي والانساني لتحقيق التسوية الشاملة والعادلة وهو قادر على القيام بدور المحفز من خلال موقعه في مجلس الأمن وعلى اساس الثوابت العربية ومن ضمنها مبادرة السلام العربية.

هنالك عدد من القضايا العربية الأساسية على طاولة مجلس الأمن توفر فرصة لديبلوماسية لبنانية نشطة طالما هي مدعومة من سياسة خارجية دينامية منها خطر تقسيم السودان والمخاطر التي ستنتج عن ادارة ما بعد الاستفتاء السوداني في كانون الثاني (يناير) القادم وأيضا إبقاء الضوء مسلطاً على المؤتمر الدولي الاقليمي الذي سيعقد عام 2012 حول اقامة شرق اوسط خال من أسلحة الدمار الشامل كافة والتحضير لهذا المؤتمر من خلال منبر مجلس الأمن.

هنالك الكثير من القضايا العالمية تتعلق ببلورة انساق تفاهم بالنسبة الى قضايا مختلفة منها البيئة والاقتصاد والهجرات والأمراض والمخدرات وقضايا التعاون الإقليمي ومحاولة خلق مساحات تضامن في اطار العولمة الجارفة تكون بمثابة شبكة امان امام تداعيات هذه الأخيرة، وكل هذه مسائل تخص العالم اجمع ويمكن لبنان ان يكون مبادراً مع دول اخرى تقوم بذلك لطرح افكار لمعالجة هذه القضايا التي تطاول نتائجها الجميع، فهذا الدور العالمي النشط لدولة صغيرة يعزز المكانة الوطنية ومعها سمعة الدولة مع ما يحمله ذلك من نتائج ايجابية بالنسبة الى لبنان.
* كاتب لبناني وسفير جامعة الدول العربية في فرنسا

المصدر:
الحياة

خبر عاجل