#adsense

شهداؤنا بين”الأصالة”و”شجاعة الوجود” و”شجاعة الإيمان”

حجم الخط

كتب المحامي ألبير يمين في “المسيرة” – العدد 1698

الى شهداء “القوات اللبنانية” وروح شقيقي الشهيد أنطون إميل يمين

 

نعود إليكم شهداءنا الأبطال، والى من نعود إن لم نعُد إليكم؟

نعود إليكم لأننا أن صمتنا نحذف الوجود. الصمت أكبر خيانة للوجود، هذا ما استقر عليه اللاهوت التأويلي ((Théologieherméneutique بشكلٍ خاص معErnst Fuchs  و Gerhard Ebelingالصمتُ – باستثناء صمت المحبة – هو مثل النسيان شيطان من شياطين هذا الزمان وكل زمان. من ينساكُم، يقول شارل مالك، يستحقُ هو ذاته النسيان.

في هذا الضرب من النظر اللاهوتي المتأثر بالمرحلة الثانية من كتابات Heidegger، أكبر فطاحل هذا العصر، الوجود غير منفصل عن لغته التي يكلمنا بواسطتها. إن كل كيان له لغته الخاصة إن نحن أجدنا الإصغاء. فكل كيان باختصار، هو موجودٌ لُغوي، لأن اللغة هي مستودع الكيان والوجود. فإن نحن أصغينا الى الله مثلاً علِمنا أن لغته هي المحبة. وإن نحن أصغينا الى الإنسان عموماً والى الشهيد خصوصاً علمنا أن لغته هي الحرية. الإنسان ظهورة حرية يقول شارل مالك.

لماذا نعود إليكم؟ لأنكم تجسدون ثلاثة أوصافٍ لم أجد أكثر منها دلالةً ومعنى في وصفكم، هي: “الأصالة”، و”شجاعة الوجود”، و”شجاعة الإيمان”.

الوصف الأول: فكري فلسفي، قاربHeidegger  من خلاله طُرق العيش. العيش في عُرفهِ نوعان: إما يكون في الأصالة، أو يكون خارج الأصالة.

ـ العيش في الأصالة يعني العيش في الحرية. يعني أن تبني ذاتك بذاتك، لا أن تبنيها بما هو خارج عن ذاتك، يعني أن تكون على قدر المسؤولية في حياتك، لا أن تتهرب من مسؤولياتك. لأنك طاقة في الوجود وطاقة في القرار، لأنك متجذرٌ في التاريخ ومنفتحٌ على المستقبل. وأنتم شهداءنا الأبرار عُشتُم واستشهدتم في الأصالة، كنتم أبناء زمانكم متجذرين في التاريخ، فبذلتم حياتكم عنا ليكون لنا مستقبل.

ـ وأما العيش خارج الأصالة، فيعني أن تتهرب من ذاتك ومن مسؤولياتك، فتتحجج بهذا الظرف أو ذاك، بهذا العُذر أو ذاك، لا لشيء إلا لتهرب من ذاتك. وأما أنتم شهداءنا الأبرار فكنتم أقوى من كل الظروف وكل المحن، فكنتم أسياد حياتكم ومماتكم، عرفتم كيف تعيشون وكيف تموتون، فجسدتم أعظم ملحمة بطولية في محيط يجهل أهله معنى الذات التي هي حرية.

والوصف الثاني: “شجاعة الوجود”: هو أيضاً فكري- فلسفي، لصاحبه Paul Tillich في سياق اللاهوت المنهجي  (théologiesystématique)الذي حاول -على طريقته – الى جانب اللاهوت الليبرالي واللاهوت الديالكتيكي واللاهوت السياسي واللاهوت التأويلي، مواجهة التحديات التي اعترضت المسيحية في أوروبا فترة ما بعد الحداثة ونشوء العلمانية. وإن أبرز رموز هذه التيارات اللاهوتية: Schleiermacher  و Karl Barthو MoltMannو Metzوغيرهم. الوصف الثاني هنا قريبٌ من الوصف الأول.

فما هي الشجاعة؟ إنها تأكيد الذات بالرغم من العائق الكياني الموجود في الإنسان نفسه، والذي يطلق عليه الكاتب عبارة “اللاكينونة” التي تعيق الكينونة بداخله وتمنع مسيرته. الأمر شبيه بالقمح والزؤان اللذين ينموان في الحقل جنباً الى جنب. الشجاعة هي أيضاً معرفة ما نخاف منه، وما يمكن أن نتجرأ عليه – يقول أفلاطون. وبحسب أرسطو، الإنسان الشجاع هو الذي يعمل لما هو شريف. هنا تتحول الشجاعة الى فضيلة. وبحسب توما الأكويني الشجاعة هبة من الروح القدس، تسعى الى السيطرة على كل ما يُهدد الخير الأسمى .

المهم بموضوع الشجاعة هو تصديها للقلق المثلث الإبعاد الذي يقض مضجع الإنسان، والذي تمكنتم أنتم في حياتكم والتزامكم واستشهادكم من الإنتصار عليه. يستعرضTillich هذا القلق على الشكل التالي:

ـ القلق الأول، هو قلق المصير والموت الذي يهدد تأكيد الإنسان لذاته بصورة مطلقة.

ـ والقلق الثاني، هو قلق الفراغ وفقدان المعنى الذي يهدد تأكيد الإنسان لذاته الروحية.

ـ والقلق الثالث، هو قلق الذنب والتجريم الذي يهدد الإنسان في تأكيد ذاته الأخلاقية .

إن هذا الضرب من القلق هو كياني، أنطولوجي، وجودي. إنه مغاير تماماً للقلق المرضي الذي يعالجه أطباء النفس. إنه مغاير للقلق الناتج عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. باختصار، إنه الخوف من الفناء المطلق والإضمحلال الذي يشير إليه Hegel.

أما أنتم شهداءنا الأبرار، كنتم باستشهادكم أقوى من الموت والقلق على المصير. كنتم ولا تزالون أقوى من أي فراغ أو خوف على المعنى، وإلا لما عدنا إليكم. لقد أحييتم باستشهادكم الأمثولة الذهبية القديمة: إن من يفقد حياته يحفظها، ومن يحفظ حياته يفقدها.

الوصف الثالث، “شجاعة الإيمان”، إنه وصفٌ إيماني لاهوتي: ل Tillichأيضاً، ومُكمل للوصف الثاني. شجاعة الإيمان هنا هي أساس شجاعة الوجود. تعني أن تقبل بوجود الله في حياتك فتتثبت بقوته. والحقيقة تُقال إن سر قوتكم، سر تساميكم، سر شجاعتكم ليس منكم، إنه من إله الحياة يسوع المسيح، الكائن الجديد. إنه من يُزيل بالفعل “اللاكينونة”- مصدر كل قلق – أي قدرة النفي والسلبية من أمام كينونتكم، وقد عرفتم على أية صخرة بنيتم حياتكم.

لماذا نعود إليكم؟

لأننا كُلما حلمنا بالتغيير نَحِنّ إليكم. كل الفلسفات والإيديولوجيات تريد التغيير. الله يريد التغيير، لأنه يريد عودة الإنسان الى ذاته. اللاهوت بصميم دعوته يريد التغيير لإنه يريد أن يمهد الطريق أمام الله. السياسة بصميم دعوتها تريد التغيير بأدواتها وتقنياتها ووسائلها، لأنها تريد خلق عالم أفضل. العلم بصميم دعوته يريد التغيير، لأنه يسعى الى التقدم وإزالة الميتولوجيا من أمام الأنسان، وأما أنتم فقد قرنتم الدعوة بالفعل، فقلبتم الأمر الواقع بدمائكم وانتصرتم.

لماذا نعود إليكم؟

لأنكم أروع ما حصل للمسيحية المشرقية في هذه البقعة المتوترة من العالم التي إسمها لبنان. لقد بقيت المسيحية بفضلكم حرةً، سيدةً، تقرر مصيرها بنفسها ولا أحد يقرر مصيرها عنها.

نريد للمسيحية أن تبقى حرة، كما نريد للإسلام أن يبقى حراً هو أيضاً. وحدها المسيحية الحرة – يقول شارل مالك – باستطاعتها أن تكون عامل تلطيف وتلاقِ بين الإسلام واليهودية.

لماذا نعود إليكم؟

“لأن دماء الشهداء بذار المسيحية” منذ Tertullien الناطق باسم المسيحية المضطهدة في القرن الثاني للميلاد. نعود إليكم لأن دماءكم بذارٌ لنا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل