#adsense

بالشهادات: “الحمرا” منكوبة

حجم الخط

شارع الحمرا، لؤلؤة بيروت الحقبة الذهبية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، الذي لم يكن زواره يميّزون ليله من نهاره لشدة الأضواء المبهرة في “لياليه الملاح”، باتت أضواؤه خافتة خجولة، كصبية شاخت وبهُت جمالها في عزّ صباها بغير إرادتها، وتفرق العشاق من حولها.

كان يكفي أن تقول شارع الحمرا، لتشير إلى لبنان الجمال والحياة والسهر، وملتقى المثقفين والشعراء والفنانين والأدباء والصحافيين والكتاب من مشارب فكرية وسياسية مختلفة، في المقاهي والحانات المتناثرة مساحاتِ ثقافةٍ وكيفٍ على حد سواء. وحيث كان مربط خيل نخبة رجال السياسة في لبنان والعالم العربي، والباحثين عن الحياة بكل أشكالها الجميلة من لبنانيين وعرب وأجانب.

هذا الشارع الذي حلم مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لو يكون في بلاده شارع واحد مثله، تدمع العين على أحواله اليوم في ظل الضائقة الاقتصادية الخانقة التي يعانيها أصحاب المحلات والمؤسسات فيه.

جولة في شارع الحمرا تؤكد الوقائع المؤسفة التي يعانيها. تلاحظ الرواد القليلون وهم يمرون أمام واجهات المحلات مرور الكرام. يتوقفون برهات قليلة، يلقون نظرة سريعة، ثم يواصلون سيرهم. نستوقف مجموعة من السيدات لاستيضاحهنّ عن هذا المشهد الذي لفتنا.

يترددن بداية، قبل أن تجيب إحداهن: “لدينا ذكريات جميلة وحنين لهذا الشارع، وتعوّدنا أن نقضي أوقاتنا ونتبضع هنا. لكن الأيام أصبحت غير الأيام، والضائقة الاقتصادية معروفة ولا تحتاج إلى شرح، إنما لا نزال نتردد إلى شارع الحمرا ولو بشكل أقل، لعلّ وعسى نلاحظ في المحلات ما يناسب إمكانياتنا المتراجعة”. وتضيف ممازحة: “ربما نكتفي، أحيانا، بجلسة قصيرة على فنجان قهوة في إحدى المقاهي، ونتذكر أيامنا الجميلة، فقط لا أكثر”.

رئيس جمعية تجار الحمرا ومتفرعاتها زهير عيتاني يؤكد لموقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، أن “الحمرا منطقة منكوبة، والأوضاع متأزمة”، موضحاً أن “الحركة شبه معدومة في معظم المحلات، وهي تكاد لا توازي 10% بالمئة من الحركة الاقتصادية في هذا الشارع العريق المعروف في لبنان والمنطقة والعالم”.

ويكشف عيتاني عن أن “عدداً كبيراً من المحلات أقفلت أبوابها”، متجنباً “ذكر أسمائها، حرصاً على سمعة أصحابها التجارية ولعدم إحباطهم، بل تشجيعهم على إعادة الاستثمار في حال تحسن الوضع الاقتصادي”.

ويضيف، “نلاحظ أيضاً أن قسماً كبيراً من المحلات تغيّرت طبيعتها عما كان معروفاً في شارع الحمرا، إذ قام أصحابها بتركها بسبب الأزمة واصبحت في عهدة أشخاص من جنسيات أخرى الذين حوّلوها إلى بيع الملبن أو للدهان أو للأدوات المنزلية المختلفة وما شابه”.

ويشدد رئيس جمعية تجار الحمرا ومتفرعاتها، على أن “الغالبية الساحقة من أصحاب المحلات أصابتهم الأزمة الاقتصادية في العمق، وحتى الحانات الشهيرة المعروفةـ طالباً عدم ذكرهاـ المصرّة على الصمود، تعاني وتكابد، وتعوّل على بعض نشاطات شبابية وثقافية في معظمها للبقاء. لكن ما يفتقده شارع الحمرا فعلاً هو حركة السياح، خصوصاً العرب، الذين يملكون إمكانات مادية يمكن أن تنعش الوضع، لكن العرب يعزفون عن المجيء إلى لبنان للأسباب المعروفة”.

ويعرب عيتاني عن تشاؤمه “فالوضع لا يبشر بالخير”، متخوفاً من أنه “في حال استمرار تفاقم الأوضاع الاقتصادية سوءاً، من غير المستبعد أن نشهد المزيد من المحلات المقفلة في شارع الحمرا”، متسائلاً: “إذا كان الوضع في هذا الشارع التاريخي الشهير كما هو عليه، فما حال بقية الشوارع والأسواق؟”.

صاحب مؤسسة تجارية عريقة نشأت منذ عقود في شارع الحمرا، يشير لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن “عشرات المقاهي والحانات تفتح وتقفل بشكل متوال، إذ يحاول البعض المخاطرة والقيام باستثمار ما، ليصطدم لاحقاً بواقع الوضع الاقتصادي المذري والحركة الخجولة وضعف المدخول في ظل إيجارات مرتفعة، فيعود ليقفل. وهكذا دواليك من دون نتيجة، بل بخسائر متراكمة”.

ويكشف عن أن “بين المقاهي التي تعاني من صعوبات خانقة في شارع الحمرا ولا تزال تحاول الصمود، أسماء معروفة وشهيرةـ نتحفظ عن ذكرهاـ لكنها شبه ميتة فعلياً وفي حكم المقفلة، إذ بالكاد تحصّل مصاريفها، وتنقصها خطوة واحدة ربما للإقفال النهائي. بالإضافة إلى عدد من محلات الأحذية التي أفلس أصحابها وأقفلت نهائياً”.

أيضا، “إقفال أربع محلات في شارع المقدسي، المتفرع من شارع الحمرا، كانت تبيع الألبسة من ماركات عالمية خصوصاً الإيطالية، ونحو أربع محلات أخرى تقوم حالياً بتصفية بضاعتها تمهيداً للإقفال. وكذلك أقفلت منذ نحو شهر محال لبيع الألبسة تأسست منذ حوالى ثلاثين سنة في شارع عفيف الطيبي ـ الجامعة العربية، وبات عدد المحلات التي أقفلت أبوابها في هذا الشارع أكثر من 20 محلاً”.

ويتحدث صاحب المؤسسة التجارية العريقة، بحسرة كبيرة، وهو يرى “جنى عمره على مدى 40 عاماً يضيع”، ويقول إن “الوضع يزداد سوءاً من سنة إلى سنة، ونحن نحاول الصمود والمتابعة، لكننا انتهينا إلى وضع بالكاد نحصّل قيمة الإيجارات وفواتير الكهرباء والماء والمولدات، هذا في حال تمكنّا من ذلك، لكن لم يعد بإمكاننا تحمل الخسائر والصمود أكثر”. ويضيف “لا سبيل أمامنا سوى إقفال محلاتنا، بحسرة وغصة بالتأكيد، ونحن نرى تعب عمرنا يضيع بسبب الحالة الاقتصادية السيئة التي أوصلونا إليها”.

ويلفت إلى أن “تركيا أثرت كثيراً على محلات بيع الألبسة مثلا، إذ يذهب اللبناني ويقضي أسبوع سياحة في تركيا ويعود متبضعاً لموسم الصيف أو الشتاء من هناك، نظراً لأن البضاعة رخيصة بسبب الدعم الذي تتلقاه صناعة الألبسة من الدولة وفاتورة الكهرباء المنخفضة وغير ذلك”.

ويؤكد أنه “لا يمكن لمنطقة الحمرا أن تعود إلى سابق عزها والخروج من هذه الأزمة إلا بانتعاش السياحة، خصوصاً السواح العرب”، لافتاً إلى أنه “حتى المغتربين اللبنانيين لم يعودوا يمضون وقتاً طويلاً في لبنان ولم يعودوا يصرفون كما من قبل، باعتبار أن الكثير من السلع في بلدان الانتشار أرخص منها في لبنان”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل