هذه شهادة تؤدى من غير أهل البيت.
يوم اسندت اليه القيادة، مارسها بحكمة ومحبة، فنبذ الضعف ومقت التردد، وصان الرفاق بجرأة وأبوَة، يخوض الأحداث مصادقا دوما الحقيقة. حقق آمالا كبارا، وخير الرجال من فاقت انجازاته تباشير وعوده. معه، نتوق للدخول قليلا الى بعض ما تعمر به نفسه من ملكات نادرة وأعماق بعيدة، لنطلع من كل هذا بأمثولات تبوح لنا بحقائق، وبمنارات تهب وثباتنا الى الخير والأفضل.
هو ناقل العقيدة بذكاء، وخادم المبادئ بحق، عرف كيف يجدد الأداء في نشر الفكر الطليعي فبذل ما لديه من حجج – وما أكثر ما لديه – ليحمل الآخرين على تبنَي طرق تفكير جديدة وليبرز الأنسجام بينهم وبين الأواتي من الأيام.
عاش بين الناس متحسسا همومهم، محاورا منفتحا، مثقفا الى أبعد حدود الثقافة، متقبلا حدَ التضحية، متجاوزا مألوف الخطر الى اغراء الأستشهاد. فالأنسان الأصيل يعيش مصيره العاصف ويبقى محافظا على ذاتيته عبر ثبات في القناعات، وكأنَ الجبل الذي قضَ منه، هذا الجبل المشبع بالبطولة والاباء، قد زرع فيه الصلابة والعزم والنزعة الى الحرية.
ان طوافا سريعا في تاريخ نضاله الحافل بالأمجاد والمآسي، يقودنا الى رجل ينزف بسخاء، ويغالب الزمن بعناد، ويحمل آماله الى فسحات الأمَة حيث نضال الرجال المعمَدين بالشرف.
من هنا، فالرجل كبير على النضال. في السياسة لم يكن وثنيا، هو الذي كان يتطلَع الى أبعد من نفسه. انه سياسي لم يخطئ المرمى، هو المنفتح قولا وحياة. حشد أعصابه في محاولات جمَة للعبور من الشك والقلق الى عوالم يرقى فيها الوطن الى آفاق لا تحتضن مواضيع العدم واليأس والتلاشي. فالوطن عنده حالة جايلت الكون، زاخرة بالقيم، مكتنزة بأمكانات التجاوز الى الأسمى والأرقى.
جورج حاوي عرف ان فنَ السياسة صعب، لكن عدم الرضى الذي يتحلى به الرجل الشموخ يقابله اكتمال تفرضه الممارسة الجريئة الحرَة. من هنا، ما توانى عن التعرَض لأرباب السياسة بجرأة لا يمكن ان يتصف انسان بأشدَ منها. كان يبشَر بوطن يتمنى ان يكون سطوع الضوء فيه قريبا، وطن النقلة من عهد القبائل والتبعية الى زمن الانفتاح على الدنيا مدىَ مطلقا، وطن السيادة والريادة المتمسك بصفاته وقيمه الحضارية وتراثه الانساني، مداميكه ارادة شعب متكامل متماسك كما يحدد ذلك مفهوم الوطنية المعاصر.
جورج حاوي الذي ينصبَ فكره انصباب شلال فيعطيك فوق الذي انت في طلبه، والذي كان لا يخشى عليه فهو كما الحراب تتحدَى الصواعق، هو خلاصة حكمة وقول حق وتنزيه عن الأهواء ودعوة الى ديمقراطية صحيحة تحفظ حقوق الناس وتقدر المسؤوليات المرتبة على الحكَام لاجتناب الظلم.
جورج حاوي، وانت اليوم في ذكرى اضافتك الى ارضك، لن نذرَي الرماد على رؤوسنا تفجَعا عليك ايها المنتسب الى حلقة الشهداء، المؤكَد ان هذا الشعب القليل له عنفوان موصول بالتاريخ، فاذا كانت الأمم تصنع أفرادها العظماء، فهذه يوجهها شطر المفارق المصيرية روادها الأمثال.