تفاءلوا بالخير تجدوه. واللبنانيّون كثيراً ما لجأوا الى التفاؤل، حتى عندما حوَّلهم وزير خارجيَّة أميركا السابق جورج شولتز الى الكرنتينا وأقفل خلفهم الأبواب. هم ولبنانهم.
كل الدواهي التي حلَّت بهم ونزلت ضيفه فتّاكة عليهم وعلى ديارهم، تعاونوا عليها بالتفاؤل، والصبر، والعض على الجرح.
وعلى أساس أن كل شيء له آخر.
وكل أزمة لها نهاية.
ولكل داء دواءُ يُسْتَطَبُّ به…
ما عدا مصيبة الكهرباء، التي استعصت على كل المعالجات والأيام والمتغيرات، محليّاً وإقليميّاً ودوليّاً، لتبقى باسطة نفوذها وفارضة وجودها على رغم الوعود والبرامج والمخطّطات والدراسات، وتبدُّل الوزراء والخبراء والبعثات.
استعصت على كل المحاولات والمساعي، و"حافظت" على عصيانها دون المعالجات والتسويات.
في هذه الضاحية، مثلاً، ممنوع الدخول على الجباة والمهندسين والموظفين العائدين الى مؤسسة كهرباء لبنان.
في تلك المنطقة "التعليق" على خطوط التوتُّر العالي والواطي من فجّ وغميق، ولا مَنْ يطلع بيده أن يسأل، أو يُصلح، أو يحاسب.
هنا وهناك وهنالك. مؤسّسات، شركات مصانع، معامل، منازل، قرى، مدن… حدٍّث ولا حرج.
ومع كل وزير وعود جديدة، وآمال جديدة، وانتظارات جديدة، وتقنيات جديدة، وزيادات جديدة.
ناس يأكلون الدجاج، وناس يقعون في السياج. ناس يدفعون فواتير مدوبلة ومتربلة، وناس لا يقوى الجباة على ان يمروا بهم ولو لالقاء التحيّة.
ومليارات الدولارات تُهدر.
ولا من شاف ولا من دري ولا من سأل.
يقولون عمن يُعيَّن وزيراً للطاقة ان أمه داعية له في ليلة القدر…
منذ نشوب أولى الحروب القذرة، نشبت معها حربُ أقذر بكثير، وأشدُّ أَذى، وأشدُّ وطأة على العباد والبلاد. ولا تزال مستمرة الى يومنا هذا، والى غد، والى أشهر وسنوات.
حتى تحوَّلت مرضاً لبنانيّاً شاملاً، لم يفلت منه بيت، ولم يبق لبناني الا صرخ آخ وألف آخ.
وحتى صار "التقنين" في مناطق الشمال وغيرها هو القاعدة، وهو الأكثر حضوراً وثباتاً، وهو المرض الذي يئن من وطأته الجميع دون استثناء. أو مع بعض الاستثناءات.
حاصله، وبعد خمس وثلاثين سنة أطلَّت بُشرى على البلد الغارق في العتمة وفي دخان المولّدات، متحدِّثة باسهاب عن "توافق كهربائي" عظيم أخرج خطة الوزير جبران باسيل الى حيِّز الوجود، وبالاجماع.
وضمن برامج اصلاحيَّة، ولأربع سنوات، إنما العبرة في التنفيذ وترجمة البرامج والتوافقات الى أفعال وأعمال وانجازات وكهرباء بلا تقنين.
هذا ما ينتظره اللبنانيون من وزير يصفونه بمعجزة زمانه. هكذا تصير المعجزة معجزتين.