وجوب التفاهم على دور لبنان تجنّباً للانقسامات الحادة
الحياد أو التحييد عند الخلاف والانحياز عند الاتفاق
أبدت أوساط سياسية وشعبية استغرابها لرفض النائب وليد جنبلاط تحييد لبنان عن صراعات المحاور وكأنه يريده ان يبقى ساحة لا دولة، وهو الذي كان اول من دعا الى ذلك في مقال له في جريدة "الانباء" الناطقة باسم الحزب التقدمي الاشتراكي تحت عنوان "الحياد الايجابي مدخل لاستقرار لبنان"، قال فيه، لعل في اعادة التذكير به افادة: "ان الاستيعاب التدريجي للمقاومة ضمن الجيش الوطني في مواجهة اسرائيل هو ما سيرفع بشكل كبير من قدرات هذا الجيش على المواجهة، وان هذا الاستيعاب اذا ما تحقق سيؤدي تدريجاً الى قبول جميع الاطراف السياسيين بمبدأ الحياد الايجابي، اي الا يكون لبنان ساحة بل دولة مثل سائر دول العالم، لا يتم استخدامه لتصفية اية صراعات اقليمية او دولية على ارضه". واذا بجنبلاط ينقلب على هذا الموقف السليم في كلمته التي ألقاها في مأدبة غداء أقامها على شرف السفير السوري لدى لبنان علي عبد الكريم علي وقال فيها جازماً: "ان الحياد مستحيل وعلينا ان نأخذ موقفاً، إن يميناً أو يساراً، مع أو ضد" مشدداً على ان "سلاح المقاومة مهم في الدفاع عن الثروات الوطنية".
وقد جارى جنبلاط في موقفه هذا عددا من النواب منهم النائب محمد رعد "حزب الله" والنائب ايوب حميد حركة "أمل". وكان الرئيس امين الجميل قد اقترح على طاولة الحوار ان يصار الى "تحييد لبنان، على الاقل عسكريا وسياسياً في المرحلة الحالية الحافلة بالأخطار الاقليمية والدولية، الى ان تنتهي الدولة اللبنانية من وضع الاستراتيجية الدفاعية النهائية"، واعداً بتحضير طرح مفصل عن الحياد الايجابي الذي يكفل استقرار لبنان من جهة ولا يحول دون تضامنه مع العرب في مواجهة اسرائيل وفي الدفاع عن القضية الفلسطينية، وعاد وأكد موقفه هذا في مؤتمر صحافي.
وتسأل الاوساط نفسها معارضي حياد لبنان او اقله تحييده، لماذا قرر مجلس الوزراء الامتناع عن التصويت عند طرح موضوع العقوبات على ايران، ولماذا لم يكن مع هذه العقوبات او ضدها تجاوباً مع دعوة جنبلاط الى ان يكون لبنان "مع او ضد"، علما ان وزراء في الحكومة صوتوا مع الامتناع. أليس هذا حيادا او تحييدا عن الصراع بين ايران وتركيا وسوريا ومن معها من جهة، والدول الاخرى من جهة ثانية؟ هل كان من مصلحة لبنان ان يصوت مع طرف ضد آخر، ولو انه فعل هل ظل الوضع الحكومي مستقرا وكذلك الوضع العام في البلاد؟ واي موقف على لبنان ان يتخذه اذا عاد الصراع بين الشرق والغرب او بين شرق وشرق وغرب وغرب او كانت ايران في جهة وتركيا في جهة او كانت سوريا في جهة وايران في جهة؟ أوَلم يعاني لبنان الكثير من الحروب والقلاقل والانقسامات المدمرة لأن طرفا لبنانيا وقف مع هذه الجهة العربية والاقليمية او مع هذه الجهة الدولية فتحولت ارضه ساحة لصراعات المحاور ودفع الثمن غالياً بشرياً ومادياً؟ ألم يكن الحزب التقدمي الاشتراكي في الماضي مع مجموعة "دول عدم الانحياز" للهروب من مأزق الانحياز الى هذا الحلف الدولي او ذاك؟
الواقع ان ما يحفظ استقرار لبنان هو حياده او تحييده عن الصراعات فيكون مع في حال الاتفاق ويكون ضد في حال الاتفاق ايضا. والا فإن على اللبنانيين ان يتفقوا على اعتماد النظام الديموقراطي الذي بموجبه تحكم الاكثرية وتتحمل مسؤولية قراراتها ومواقفها والاقلية تعارض او تؤيد، او اعتماد النظام التوافقي الذي تقرر اعتماده وإن مشوها لان الاقلية لم تعترف بالاكثرية التي انبثقت من الانتخابات النيابية واعتبرتها اكثرية نيابية لا شعبية… فصار القبول بذلك تجنبا للانقسام. وهذا معناه ان القرارات التي تصدر والمواقف التي تتخذ ينبغي ان تحظى بالاجماع او بالتوافق بين الجميع سواء عند مواجهة خلاف على مواضيع داخلية او على مواضيع خارجية، كما حصل عند مواجهة العقوبات على ايران وعند مواجهة عدوان اسرائيلي محتمل وعند طرح موضوع الغاء الطائفية السياسية وغيرها من المواضيع التي تبقى من دون قرار اذا ظل الخلاف قائما في شأنها. وهذا ما جعل البطريرك صفير يقول: "ان لبنان لا يستطيع ان يكون مع هذه الدولة ضد اخرى، فموقفه هو مع التوازن ولان صيغة "لا غالب ولا مغلوب" لا ترضي جميع الدول المجاورة للبنان". ودعا اللبنانيين الى "التفكير بمصالح لبنان الوطنية وليس بمصالحهم الشخصية لأن هناك من يخطب ودّ هذه الدولة او تلك باعتبار انها ستوصلهم الى مآربهم وهذا خطأ". لذلك ينبغي على اللبنانيين ان يتفقوا على اتخاذ موقف الحياد عندما يواجهون انقساماً بين الدول حول موضوع معين كما حصل في مسألة العقوبات على ايران فلا يكونون مع هذا ولا مع ذاك، لان النظام التوافقي الذي أصرت الاقلية على اعتماده يقضي بذلك، فلو انها ارتضت اعتماد النظام الديموقراطي العددي لكان على الاكثرية التي انبثقت من انتخابات نيابية حرة ونزيهة ان تتحمل مسؤولية قراراتها ومواقفها حيال القضايا المطروحة فتكون مع او ضد، وللاقلية ان يكون لها موقف منها في مجلس النواب وليس في الشارع كما حصل خلال السنوات الاخيرة ففقد المجلس دوره وحقه في حسم الخلافات ولا سيما منها الدستورية والقانونية.
في حديث للنائب وليد جنبلاط لجريدة "البيرق" ومجلة "الحوادث" بتاريخ 30 تشرين الثاني 1998، قال: "نحن على خلاف حول دور لبنان وهوية لبنان، ولم نتفق بعد لا على دور لبنان ولا على هويته (…) فالظرف الاقليمي يطرح الامور وكأن الخلاف قد تذلل، لكن هذا امر سطحي، فالبلد لا يتوحد من خلال هذا الكم من الارساليات ومن الجامعات الاجنبية(…) ونحن لا نؤمن بما يسمى "الامة اللبنانية" (شعار الكتلة الوطنية التي خاض والده كمال الانتخابات معها على اساسه)، وهنا الخلاف الاساسي، وهذا الخلاف يعود الى ايام الامويين(…)". وردا على سؤال عما اذا كان ينتظر "المرحلة الملائمة للانقضاض على التسوية الراهنة (اتفاق الطائف) وكأنك غير مؤمن بها"، اجاب: "انا لا املك القدرة… يا ريت. انا في موقع الحذر واخشى العودة الى المطالبة بالانسحاب السوري الى البقاع والى المطالبة بجبل لبنان (جزين – زغرتا – القبيات) مشروع بشير الجميل القديم الجديد (…) وهو مشروع لم يتغير وله رموز لدى بعض الناس الانعزاليين في لبنان(…)". ويختم بالقول: "لا يجوز لبعض الوزارات ان تبقى حكرا على الاشخاص انفسهم، وان لبنان هو مجموعة تيارات سياسية مختلفة متناحرة ولم نتوصل حتى الآن الى الوحدة الوطنية". وعن علاقته ببكركي قال: "انها قصة مد وجزر منذ الف عام(…)".
أفلا يستحق هذا الكلام القديم وربما يصبح جديداً ان يناقش بصراحة في هيئة الحوار الوطني او في مؤتمر وطني وواسع كي يصير اتفاق على دور لبنان وعلى انهاء الجدل المستمر لدى البعض حول هويته رغم انها حسمت في اتفاق الطائف على كونه "عربي الهوية والانتماء" وعلى كونه "وطنا نهائياً لجميع ابنائه"، وان لبنان "جمهورية ديموقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين بدون تمايز او تفضيل"، وان "الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية"، وان النظام فيه "قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها ومقاومتها"، وان الغاء الطائفية السياسية "هدف وطني اساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية"، وان "لا فرز للشعب على اساس اي انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين"، وان "لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
لقد صار اتفاق على كل هذه المبادئ الميثاقية وعلى نصوصها. فمطلوب من اللبنانيين احترامها بالممارسة وبحسن تطبيقها وبدقة، لان استمرار خلافهم على اي لبنان نريد يجعل هذا اللبنان في مهب الريح.