ظواهر متشابهة لدى أحزاب حدودها اللعبة الداخلية
إثارة ملفات متداخلة مؤشر أزمة أم عوامل تحفيز ؟
تعتقد مصادر مراقبة أن ما يطرح من اقتراحات تثير الجدل وحتى الخلاف بين مختلف الافرقاء انما يأتي على خلفية أمرين احدهما في رأي هذه المصادر محاولة زعماء الاحزاب اللبنانية انعاش حيثيتهم الشعبية التي أظهرت الانتخابات البلدية أنها تأثرت الى حد بعيد ولم تعد كما كانت لسنوات قليلة. كما أن هذين التداخل والضجيج يرتبطان بواقع ان جميع الافرقاء السياسيين مشاركون في الحكومة وتاليا فان النظام الديموقراطي المفترض لا يعمل على نحو صحيح بحيث تكون هناك حكومة تحكم ومعارضة تعارض، بل ان التوافق المطلوب يحد من قدرة الافرقاء على ان يعزوا الى انفسهم بعض الانجازات فيكون اللجوء الى سياسات من خارج المؤسسات. علما أن البعض يتهم أفرقاء في المعارضة السابقة باللعب على وتر المشاركة في الحكومة والسعي الى مكاسب خارجها كما هي الحال بالنسبة الى مطالب الاساتذة إذ أعلن غالبية رؤساء الاحزاب معارضتهم مقاطعة الاساتذة لتصحيح امتحانات الشهادات الرسمية في حين ان الوقائع على الارض تظهر دعمهم لهؤلاء.
وبروز الافكار او الاقتراحات التي تستفز الآخرين وتحاول ان تجعل منها قضية تستحق خوض غمار البحث أو الجدل الاعلامي والسياسي يتصل بحسب هذه المصادر بواقع شعور هؤلاء الزعماء بضرورة تحفيز الرأي العام المؤيد لهم والذي شهد تفككا الى حد كبير بحيث ان بعض المسائل الحساسة ينبغي أن تعود لتثير حمية القواعد الشعبية وحساسيتها ازاء سواها، وتاليا الالتفاف حول زعمائها مجددا في وجه انتقادات الآخرين.
هذا على الاقل ما يراه البعض فعلا في الاقتراح المفاجىء لموضوع حقوق الفلسطينيين على رغم أنه ليس جديدا وقد بدأ تداوله منذ بعض الوقت، لكن مقاربة الاقتراح في مجلس النواب أظهرت عدم دراسة جيدة لما يرغب المعنيون في انجازه في حين أن من شأن الانتقادات التي وجهها أفرقاء استفزهم عرض الموضوع على هذا النحو، الى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ان تعيد تقوية العصبية الدرزية من حوله بعد الخضة التي أحدثتها مواقفه في الوسط الدرزي وسواه.
وينسحب مثل هذا الوضع على رئيس "التيار الوطني الحر" الذي ينتظر المراقبون ان يبادر الى طروحات تساهم في تأمين اعادة التفاف مناصريه من حوله على ما حصل لدى محاولته استنفار هؤلاء في موضوع الدعوى القضائية ضد المحطة التلفزيونية التابعة له. وهو في حاجة الى قضية ما يثيرها بعدما استنفدت مشاركته في الحكومة على كل الصعد والمستويات كل الكلام المبدئي حول الاصلاح والتغيير فضلا عن التداعيات التي يمكن ان يحدثها ابتعاد مسؤولين ومناضلين في التيار لأسباب متنوعة. وليست زيارة سوريا الموسمية او رغبته في معاداة كل من ينتقد "حزب الله" من سيضمن بقاء هؤلاء المناصرين بل على العكس من ذلك.
وفي وقت بادر "تيار المستقبل" بدوره الى اجراء مراجعة يمكن ان يبرر من خلالها الكثير من التغييرات التي حصلت ويمكن ان تحصل، فان الارتباك يصيب نواب هذا التيار لانفصام وعدم قدرة على تحقيق التوازن حتى الان بين مواقف رئيس الحكومة سعد الحريري من موقعه هذا وبين أفكار او مواقف سياسية يضطر أركان التيار الى الاعلان عنها، فينزلقون غالبا الى مواقف تتسم بأنها دفاعية، مما تسبب في خسارة التيار الكثير من شعبيته في الانتخابات البلدية. يعزز ذك ان الدفاع عن القضايا الأساسية التي وقف التيار بشدة من أجلها بات مرتبكا حيالها ويفتقد الوضوح مما اربك مناصريه ولا يزال كما أربك كل قوى 14 آذار.
ويحتاج "حزب الله" ايضا من أجل ابقاء التحفيز قائما حول حضوره والمهمة التي انتدب سلاحه من أجلها الى العناصر التي تبقي شعاراته حية وفاعلة، علما انه يبدو ان المقاومة في ظل الوضع والمعطيات الراهنة لم تعد تكفي لتلبية هذا الهدف وخصوصا ان التحفيز الذي يحتاج اليه الحزب يتجاوز خصومه اللبنانيين بغض النظر عن نجاحه في ذلك أم لا. وأحد الاهداف التي يركز عليها منذ بعض الوقت علما أنها ليست جديدة لا في أدبياته ولا في قاموسه السياسي هو الولايات المتحدة على نحو يلاحظ معه البعض انه يرمي عن قصد او عن غير قصد الى اظهار تمايز عن الموقف السوري المهادن لواشنطن والطامح الى تصحيح العلاقة معها. فحال الاسترخاء التي يمكن ان يشهدها لبنان وانصراف الناس الى همومهم الذاتية ومستقبلهم واستثمار قدراتهم في هذا الاتجاه يجعل صعبا اكثر فأكثر تحفيزهم ما لم يكن الخطر داهما، وهو ليس كذلك في المدى المنظور على الاقل. ولذلك يكتسب موضوع النفط في البحر أهمية أكبر بالنسبة الى الزعماء الشيعة أكان رئيس مجلس النواب نبيه بري أم مسؤولي الحزب كقضية اضافية لشد الانتباه وعدم الاسترخاء باعتبار ان هناك قضايا عالقة وخصوصا أن الانتخابات البلدية أظهرت بالنسبة الى المراقبين نماذج على اهتزاز في شعبيته لم يكن يتوقعه.
وتاليا فان ثمة التباسا في تحديد ماهية الخضات الصغيرة اليومية او شبه اليومية التي تشهدها الحياة السياسية اللبنانية راهنا تحت عناوين مختلفة وغير واضحة تشكل مصدرا للضجيج القائم. فهل ما يحصل هو مقدمة لأزمة سياسية او تمهيد لها وخصوصا ان هناك استحضارا لأمور ومسائل غير مفهومة لا في حيثياتها ولا في أبعادها؟ أم أن هناك أزمة أحزاب تداعت في مرحلة السلم النسبي، ام هي ايضا أزمة زعماء أقوياء لكن من دون أحزاب تداعت في مرحلة السلم النسبي، أم هي ايضا أزمة زعماء أقوياء لكن من دون أحزاب قوية تدعمهم أم أن المسألة تعبر عن كل هذه الامور مجتمعة؟ وهل ثمة ما يخشى منه نتيجة لكل هذا الضجيج؟
لا تعتقد مصادر وزارية باحتملا ان تشكل هذه الظواهر أكثر مما تحتمل. اذ هذه هي حدودها في اطار اللعبة الداخلية. وهذا ما يهم في ظل تطمينات عن عدم احتمال وقوع حرب اسرائيلية على لبنان.