كل الحروب العربية الإسرائيلية الماضية لم تنتهِ عند انتصار أيٍّ من طرفي النزاع. وعندما كانت الحرب تضع أوزارها كان يقال بأنها نهاية لمعركة أكثر منها نهاية للحرب. ويبدأ التحضير للجولة المقبلة غداة صمت المدافع. وما من حرب تنشأ برضى الطرفين. وإذا اتفق الطرفان يكون لإبعاد الحرب لتفادي تداعياتها، وليس لخوضها سوياً. إذاً، الحرب عادةً ما تأتي نتيجة تصاعد منسوب التوتر والتشنج بين طرفي النزاع إلى أن تصبح الأوضاع قابلة للانفجار، بانتظار الشرارة الضرورية التي عادة ما يأخذها الطرف الذي يراهن أكثر على حسابات جني المكاسب من هذه الحرب. أما الغريب اليوم والذي يكسر القاعدة المألوفة فهو أن الحرب التي يكثر الكلام عنها في الآونة الأخيرة في حال حصولها، سوف يخوضها الطرفان العدوان على قاعدة "مرغم أخوك لا بطل"، وكأن هناك جهة واحدة تدفع بالطرفين وعلى حد السواء إلى آتون القتال والمعارك، فتؤمن الذرائع للأول وتحث الثاني للدفاع عن النفس..
والملفت هو تزامن هذا الكلام التصعيدي، مع سياق التحضير لانطلاق سفينتين لبنانيتين تحملان المساعدات الإنسانية إلى قبرص، مع عزمها الوصول إلى قطاع غزة بطريقة أو بأخرى. وما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الذي لم يتوقعه العقل اللبناني الفذ الذي اخترع حيلة قبرص، إعلان سلطات الجزيرة عزمها على رفض منح الإذن لهذه السفن بمغادرة شواطئها باتجاه غزة!… ولكن هذا موضوع آخر. ما يهمنا التركيز عليه هو أن الخطورة تكمن في تمكن وصول هذه السفن بالرغم من أنف إسرائيل إلى شواطئ غزة. حيث إنه من المتوقع أن تستعمل إسرائيل ذلك كذريعة لتبرير عدوان جديد يستهدف عبره ليس حزب الله فقط، بل وأيضاً لبنان بأكمله وبناه التحتية كما سبق وجاء على لسان وزير الحرب الإسرائيلي يهودا باراك. وبالرغم من التطمينات التي حصل عليها لبنان نتيجة المساعي الكثيفة التي يقوم بها رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، لإبعاد هذا الكأس المر، فهذه التطمينات لم تطمئن أحداً في لبنان، خاصة وأن كلام الرئيس الفرنسي جاء ليصب الزيت على النار. أما وقد نقل تقرير صحافي كلاما صدر عن الرئيس الفرنسي زاد من نسبة القلق والتوتر المسيطران، حيث أنه دعى إسرائيل لإبلاغه مسبقاً بتوقيت بدء العمليات الحربية، حتى يتم تحييد القوات الفرنسية المرابطة في جنوب لبنان ضمن قوات اليونيفيل.
وبالتالي ثمة أسئلة باتت تطرح نفسها، منها حول إذا كانت إسرائيل تسعى فعلاً للحرب وتستعد لها كما كشف عنه هذا التقرير، ومنها حول إذا كانت إسرائيل هي الطرف المستفيد أولاً وآخرا من حصول الحرب، أم هناك جهات أخرى تراهن على الغلبة الإسرائيلية في نهايتها؟ وأسئلة أخرى حول احتمال أن يكون عنوان كسر الحصار عن غزة بواسطة القوافل البحرية ذريعة تقدم لإسرائيل على صحن من فضة حتى تشن هجومها المنتظر؟ وسؤال آخر حول احتمال استشعار حزب الله وإيران بأن هذه الحرب لا تخدم إستراتيجيتهما الشرق أوسطية، فحاولا التنصل من قضية سفن السلام هذه بطريقة أو بأخرى؟ وبالتالي هل ثمة جهة تدير سير الأحداث في حوض المتوسط وعلى ضفافه بـ"الرموت كنترول" ومن بعيد، فدرجت موضة القوافل البحرية، ولماذا الآن؟ ومن هي الجهة التي يهمها توريط إسرائيل كما هذين الحزبين في حرب ضروس لا تحمد عقباها؟.
على ما يبدو، المطلوب أميركياً ودوليا اليوم من إسرائيل حرب على حزب الله، وليس ضربة عسكرية على إيران. وإسرائيل من منطلق عدوانيتها المعهودة وخدمة لاستعادة الهالة والصورة التي كانت تتغنى بها، من ناحية الجيش المتفوق، قد لا تتمنع عن تنفيذ هذه المهمة. مع العلم أن الحرب قد تشكل أفضل علاج للأزمة الداخلية التي تتخبط بها الحكومة الإسرائيلية، وتعيد التماسك لشبكة اللوبي الصهيوني في العالم من حول إسرائيل.
قد تذهب إسرائيل إلى الحرب على خلفية القناعة بأن لا سوريا ولا إيران سوف تشاركا فيها بجانب حزب الله أو حماس، مهما بلغت ضراوة هذه الحرب وقساوتها. والجيش الإسرائيلي ليس أيضاً بوارد بل ليس من مصلحته إدخالهما فيها. ناهيك عن أن إيران هي بصدد لملمة أوراقها المبعثرة بعد تشديد العقوبات عليها. تقول إنها مستمرة في برنامجها النووي ولكنه ربما يصبح ثانوياً بسبب أزمتها المعيشية الحادة المتوقعة بعد انزال العقوبات الجديدة عليها والتي تتعلق بقطاع البترول والمواد النفطية الحيوية الأخرى. وهي بالتالي لا تريد حربا في هذا الوقت بالذات. سوريا لا تريد حربا هي الأخرى تهدد وجودها ونظامه. حزب الله لحساباته اللبنانية والشعبية لا يريد هو الآخر خوض هذه الحرب بالذات نظراً لاستحالة تأمين طرق إمداداته عبر الأراضي السورية خاصة وأن كل ما يخرج ويدخل من إيران من بضائع براً أو بحراً سوف يخضع لمراقبة المجتمع الدولي، بعد تنفيذ العقوبات على إيران.ولكن هذا ما يراهن عليه القرار الدولي بالذات وربما صدور قرار تشديد العقوبات في ما خص خروج ودخول السلع من وإلى الداخل الإيراني في هذا الوقت بالذات إنما يخدم الاستراتيجية الحربية لحرب مقبلة مع حزب الله حيث إن خطوط تموينه الخلفية سوف تكون مقطوعة ومعطلة. ولكن ما من خيار أمام حزب الله الذي سوف يرى نفسه مدفوعا أيضاً إلى ساحة القتال، ومضطرا لخوض الحرب شاء أم أبى، إذ لا يمكنه أن يظل متفرجا على الاعتداء الاسرائيلي يحصل على السفن اللبنانية وراكبيها، (إذا ذهبت السفن وحصل الاعتداء) من دون حراك أو يخون المبادئ التي تبرر وجوده.