كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ثروة نفطيّة مزعومة في المياه الإقليميّة اللبنانيّة السّوريّة والإسرائيليّة، وتزايدت الأبحاث القانونيّة بشأن كيفيّة إعداد قانون لاستخراج هذه الثروة. وحتى اليوم لم تنفجر بئر القوانين ولا آبار النّفط، فعمّا ينقّبون؟
قبل التنقيب عن النّفط المزعوم، هل تجرّأ أحد ونقّب عن شكل الدّولة اللبنانيّة التي ستحمي النّفط وكلّ الثّروات إن وجدت؟ حتى اليوم، لم يتّفق كلّ أبناء الوطن الواحد، على شكل لهذا الوطن. لا مركزيّة ولا لامركزيّة، لا فدراليّة ولا كونفدراليّة، لا طائف ولا دوحة، لا مناصفة ولا مثالثة. كلّ يراه وفقاً لمصالحه الخاصّة. المسيحيّ يراه وطناً يجسّد الوجود المسيحيّ الحرّ، في شرق ما عرفت فيه المسيحيّة الحرّيّة الا في لبنان. والمسلم ينظر الى لبنان كامتداد لإسلامه في الخليج. وأبعد من ذلك وصل هذا الإمتداد اليوم الى بلاد فارس وجبل الجولان. الطّائف الذي يرسم شكل لبنان الدولة اللامركزيّة موجود ولكن غير مطبّق، هل تجرّأ أحد ونقّب فكشف الأسباب؟
قبل التّنقيب عن النّفط المزعوم، من منّا كلبنانيين تجرّأ يومًا وقال جهراً أنّ للسّلاح ولقراره في لبنان حصريّة نقّبوا له عن ألف ومليون ذريعة لتخوينه ولنزع لبنانيّته الأصيلة منه. لكن هل تجرّؤوا وأقدموا على التّنقيب عن سبب قوله ذلك؟ أبدًا . فهم لا يريدون التّنقيب الا عن ما يخدم مصالحهم في عدم التّنقيب. عدم التنقيب عن ماذا؟ عن الحقيقة العارية طبعاً.
التنقيب عن أسلحة تزرع هنا وهناك لمقاومة عدوّ سرمديّ، ويلزم الكلّ بالإرتباط بأحقّيّة وبشرعنة هذه الأسلحة. ومن يجرؤ ويرفض ويحاول التّفتيش عن سبل أخرى ملعون وكافر وقبل كلّ شيء خائن.
التنقيب عن أسلحة تحمل في زقاق هنا أو في مخيّم هناك بغرض ماذا؟ لحماية الخارجين على القانون الذين لا تطالهم الدولة المنقّب عن أجلها فقط، أو لإقامة معسكرات تدريبيّة على الحدود ترتبط بمن هم وراء هذه الحدود لضرب مصالح من هم داخل الحدود.
أمّا بعد التنقيب تنقيب عن مزيد من أسباب وظروف لشرذمة النّسيج الفسيفسائي اللبناني، تارة في السّياسة وطورًا في الرّياضة، مزيد من تنقيب عن كلّ ما يشرذم هذا النّسيج ويجعله أنسجة قد لا تتآلف فيما بينها. نقّبوا عن الطّائفيّة ولم ينقّبوا بعد عن سبب وجودها ليقدروا على إلغائها، كلّ ما فعلوه حتّى هذا اليوم أنّهم زادوا على الطّائفيّة طوائفيّة لدرجة أنّها حلّت محلّ الإثنيّة وجعلوها إثما لا يغتفر. ومن يبحث في سبل إلغائها غير وطنيّ لا بل خائن.
نبشوا أقاصي الأرض فإذا بالقضيّة القضيّة على وجه الأرض ولم يرها أحد. شعب تُسلب أرضه ويُقتل أطفاله وتُغتصب نساؤه ويبحثون في كيفيّة إرسال باخرة من المساعدات، التي إن وصلت الى حدّ أقصى، لن تبلسم جرحا في "الأقصى". نقّبوا عن سبل إيواء الشّعب الفلسطيني لأنّهم تآمروا على إخراجه من أرضه، وها هم اليوم ينقّبون له عن وطن لأنّهم أفقدوه الوطن. ويل لهم من لعنات تاريخ المجد.
كلّ هذا التّنقيب ولم يعرفوا بعد عمّا ينقّبون. فابتدعوا بدعة النّفط التي شغلت كلّ النّاس في كيفيّة وأحقّيّة التّنقيب. أصبح السّلاح لحماية التّنقيب، والمخيّمات بحماية التّنقيب، والطّائفيّة لتوزيع حصص التّنقيب، والقضيّة ليُكمل إحراق ما بقي منها بالنّار التي ستستخرج على أثر التّنقيب.
قبل التّنقيب عن كلّ هذه الأمور نحن بحاجة طارئة لجلسة تنقيب يعقدها ممثّلو الشعب للتنقيب عن التنقيب الذي تغلغل في باطن أرض الوطن وما تجرّأ أحد ونقّب عنه. فأسباب بقاء واستمرار الوطن هي أجدر بالتّنقيب، وكلّ ما يجمع الفئات اللّبنانيّة بات الحاجة الى التّنقيب، والقضيّة هي قضيّة التنقيب ومن دونها يذهب كلّ تنقيبنا هدرًا في مياه إقليميّة طامعة حتى بمياهنا المالحة. ولكن فلينقّبوا عن أيّ وطن يريدون أوّلا، وأيّ سلاح سيشرعنون لحماية هذا الوطن ولأيّ قضيّة سيخلصون ويبذلون الغالي والرّخيص ليبقى الوطن. ماذا والا …
يضيع الوطن في معمعة التنقيب، وتغرق القضيّة في المياه الإقليميّة، ونصبح كلّنا في وطن منكوب ومنقوب، لا مقوّمات وطن فيه ولا نفط موهوم. والأكثر، نعيش في همّ التّنقيب عن وطن. فعلى الأقلّ نملك الوطن والسّلاح والقضيّة فلا نضيّعنّ فرصة التّنقيب عن التنقيب قبل التّنقيب عن نفط في مياه لم ترسّم حدودها بعد.
فلنسخّر الوطن والسلاح والقضيّة في خدمة التنقيب عن التنقيب، لنؤمّن بعدها لأجيالنا التّالية حقيقة دفعنا ثمنها أوطانا ومقاومة وشهداءً ونفطاً ومياهاً، والا سنبقى اسرى الإستقرار الموهوم وننصرف عندها الى بحث عن نفط مزعوم، ويبقى من استقرّ على الإستمرار في ذرّ رماد البؤس والبغض والكراهيّة والطائفيّة في عيوننا كي لا نرى الحقيقة ولا نعرف يوماً حقيقة التّنقيب عن التنقيب.