#adsense

شكراً للقضاء اللبناني على حكمه بتغريمي وحبسي شهراً مع وقف التنفيذ!

حجم الخط

الحكم الذي أصدره، أخيراً، القضاء اللبناني بتغريمي عشرة ملايين ليرة وبالسجن شهراً مع وقف التنفيذ، وعلى المدير المسؤول في جريدة "المستقبل" الزميل توفيق خطاب حيث نشرت مقالتي عن "مون جنرال" ميشال عون، بـ 6 ملايين، وتبرئة رئيس التحرير الاستاذ هاني حمود من التهم الموجهة إليه والتي كانت كيدية ومقحمة واستفزازية إقحاماً "سياسياً" وكذلك تغريم الزميل فارس خشان بضعة ملايين… عال!

الطريف انه عندما اتصل بي بعض الأصدقاء "ليهنئوني" على طريقتهم أو لاخباري بالحكم، أو لادانة هذا الحكم… الخ، فوجئوا بسروري البالغ "بالعقاب" القضائي الذي انزلته بي العدالة المتمثلة بالقضاء.

نعم! سُررت؛ وأكاد أشكر القاضي ومستشاريه الذين توصلوا إلى ما توصلوا إليه. فبول شاوول يثبت عليه جرم "القدح والذم.."، من ميشال عون صاحب "أعف" لسان عرفته الجمهوريات اللبنانية المتعاقبة. وكدت أشكر القاضي وها أنا أشكره لأنه مارس حقه وقام بواجبه، انطلاقاً من بعض العبارات التي وردت في مقالتي حول "جنرال الانتصارات المدوية" وكدت اعتذر عمّا اقترفت يداي "بحق" هذا الجنرال الذي لم يعتذر من أحد ولا من أي من تطاول عليهم وسبهم وحقّرهم، وهم كُثر، على امتداد ربع قرن، ثم تداركت: كيف اعتذر من شخص لا يعترف أصلاًَ بالقضاء، وقد حط من قدره قبل أيام. وكيف اعتذر من شخص يرى في شتيمة رئيس الجمهورية "إبداء" رأي، ويرى في توقيف شتاميه اعتداء على حرية التعبير، (ولا أريد أن اكرر هنا ما ورد على "الفيس بوك"..) وقضية ديموقراطية…..

إذاً، لا اعتذار من هذا الرجل لكن، مع شكر القضاء الذي حكم، وللقاضي رزق تحديداً. مع هذا يمكن أن نتساءل وبمناسبة الحكم الذي صدر ونحن نؤيده وننحني له، ولو علينا كمؤشر لعودة الدولة (التي حاول تدميرها ميشال عون، الذي "ألف" حكومة طائفية قسمت البلد وهددت وحدته، وانما عن طبيعة قراءة القوانين المرعية) ونحن نجلها لأنها الملجأ الوحيد لنا، وكم أسفنا على اغتيال القضاة الأربعة وعلى عدم كشف القتلة (ربما المعروفين) حتى الآن.

ونظن، ونحن لسنا من أهل الاختصاص، ان القراءات الحرفية للنصوص، وللعبارات موضوع الدعاوى، كمثل القراءات الحرفية للنصوص الأدبية وحتى الدينية قد تؤدي إلى عزل النصوص عن احتمالاتها ومناخاتها، وعن مسبباتها وعن حيثياتها بحيث يؤخذ "النص" موضوع الشكوى، منعزلاً عن الطرف الثاني: المدّعي، وتركز الأمور على "المدعى عليه" علماً، بأنه لا بدّ من ان يكون هناك ما حمل "المدّعى عليه" على التعبير بما "تأنفه" "الآذان" و"الأخلاق" و"القيم" أي ما ينافي احترام "الكرامات". عال! يا سيدي!

وهنا أريد أن استحضر بعضاً من قاموس ميشال عون منذ "ألّفا" حكومة نصفية طائفية، واستولى على القصر الرئاسي: عمل رئيس حكومة واقام في قصر رئيس الجمهورية! رائع!

من قاموسه المعروف والمسجل في الصحف والمجلات والتلفزيونات والاذاعات "زبدة" الحقب: فهو اتهم ثلاثة رؤساء جمهورية بالعمالة: إميل لحود، والياس الهراوي والشهيد رينيه معوض، ولم يحاسبه أحد على ذلك. عال! شتم الرئيس حافظ الأسد، عندما كان حليفاً لصدام حسين في حربه "التحريرية" المزعومة في الوقت الذي اتهمه عندها حزب الله و"أمل" وسليمان فرنجية بالعمالة لاسرائيل وسرقة المال العام، وبالاتصال بالعدو وبالفرار.. عال! ملف اعتبرناه آنئذ ملفقاً من النظام الأمني الذي عاد وبرأه من كل هذه التهم بين ليلة وضحاها وبقدرة قادر بعد انتقاضة 14 آذار، من خلال ما قيل إنها صفقة لشق صفوف ثورة الأرز. عال! ثم وعشية الانتخابات النيابية الأولى هاجم عون سلاح حزب الله واعتبره سلاحاً تقسيمياً ووصف جماهير الحزب "بالقطيع". عال! يا سيدي المهم، انه عندما صار جزءاً من 8 آذار وهذا من حقه، حَوّل شتائمه من 8 آذار إلى 14 آذار وإلى البطريرك صفير بأقذع العبارات، ووصف نواب عاليه السابقين "بالواوية" وتكلم عن بعض الشخصيات "من تحت الزنار ونازل" ووصف احدى تظاهرات 14 آذار (مليون و300 ألف) بـ"القطيع". (ونحن كنا ضمن هذه التظاهرة!) ولم يترك أحداً لم يشتمه، حتى الشهيد الرئيس الحريري في قبره، ودعا إلى "استئصال" "العائلة" كلها! ولم ينجُ من لسانه رئيس الحكومة الحالي سعد الحريري ولا رئيس الحكومة السابق السنيورة الذي اطلق عليه وابلاً من الشتائم وكذلك أمين الجميل وسمير جعجع ودوري شمعون.. بالاضافة إلى بعض وسائل الاعلام كالـ L.B.C و"المستقبل" وحرض عليهما … ولم يستنكر حتى احراق تلفزيون "المستقبل" ولا جريدة المستقبل على أيدي حلفائه. عال! ولم تسلم من لسانه الجرائد اللبنانية كـ"النهار" و"المستقبل" و"الديار" و"الأوريون لوجور" .. وأخيراً وليس آخراً، شتم الشعب اللبناني قبل أيام واعتبره مصاباً "بداء الفصام"! تأملوا "زعيماً" يصف شعبه بالفصام… (بالطبع استثنى نفسَه! والقراء وعلماء النفس يعرفون السبب!). ولو قال هذا الكلام في بلد آخر لجُرد من حقوقه المدنية، ومن حصانته النيابية وحُوكم! ولكن لم يحصل شيء من هذا القبيل. وآخر انجازاته الرائعة شتم القضاء اللبناني كله! هكذا! لكن المضحك ان "مون جنرال" وشخصيات تياره (أو من تبقى منهم والحمدالله) أكثر من أقام دعاوى قدح وذم على الصحافيين والكتاب والاعلاميين وسواهم! وأظن ان عون الذي سبّ القضاء (ولم يتحرك هذا القضاء سوى ربما بردود خجولة) ها هو مغتبط اليوم بالقرار الذي غرّمني 10 ملايين ليرة (صحتين ع قلبك يا مون جنرال، فانت معوز! وفي أمس الحاجة لذلك!). والطريف اننا نحن الذين حكم علينا القضاء… انزعجنا من تعرض "الزعيم" للقضاء واعتبرنا ذلك اهانة لنا ولكل اللبنانيين. فالقضاء أولاً وأخيراً عماد الدولة التي صرفنا عمرنا للدفاع عنها وكنا معها عندما كان "أصحابها عليها!" أيام تحول رموزها ميليشيات ومشروع كانتونات، فالتساؤل الذي نطرحه (وليس من باب الاعتراض على الحكم الذي صدر بحقنا: (حبس بول شاوول شهراً مع وقف التنفيذ) الا يجدر أخذ كل هذه الأجواء بالحسبان، أي سلوك المدعي ودوره في إرساء هذا الجو من الشتائم والقدح والذم. وليس عنده فقط: بل مستوى التخاطب عند السياسيين وكرد فعل مباشر عليه ومن باب الدفاع ورد التهم. نشر هذه "اللغات" التي لم نستخدم منها سوى ما يسمح به المجاز باعتبار اننا لسنا من أهل الاحتراف السياسي، بل من كوننا شعراء وأدباء. يكتبون في السياسة: ويستخلصون ما يتيح لهم الواقع من استخدامات متداولة فقدت معانيها الحرفية وتكرست في قواميسها الشائعة. فالكلمات والتعابير تفقد معانيها الاصلية، وتتطور مع تطور المجتمعات لتكتسب دلالات جديدة. فالمعنى وراء الكلمات وكذلك داخل ظروفها. فعندما تسود لغة التخوين بمناسبة وغير مناسبة، وعندما يهدد البلد بوحدته (أحداث نهر البارد) ويُستهدف الجيش والمدنيون وتُدَمّر المنازل ويُهَجّر الناس وتتهدد أكثرية المجلس النيابي بالقتل ليلطأ النواب في فندق فينيسيا. وتحاصر الحكومة في السرايا وتحتل ساحات العاصمة ليؤدي الاعتصام إلى كارثة اقتصادية في الوسط وعندما يتم اغتيال شخصيات كبيرة كجبران تويني وبيار الجميل وسمير قصير وجورج حاوي (أبي المقاومة الوطنية التي طردت اسرائيل من بيروت وقاومته في الجنوب المحتل..) ووليد عيدو وانطوان غانم.. وعندما يُهدّد الاعلاميون والناس بطريقة مباشرة ولا من يحاسب مُهدّديهم ويروّعون ولا من يردّ مُروّعيهم.. فهذه كلها تضع الناس وتضعنا في جو متأزم، ومتخوف؛ فالشاعر يغضب ويصرخ كغيره ويكون له أن يقاوم هذه الأجواء الترهيبية والدموية بما تملك يداه: أي كتابته. وكم من شاعر وفنان ومفكر صرخوا بأكثر مما صرخنا به من عبارات اعتبرت قدحاً وذماً.. ازاء من يقدحون المجتمع ويذّمون الناس ويمارسون ضغوطاً عليهم. انها صرخة الشاعر لكنها صرخة المواطن المدني، الأعزل، إلاّ من موقفه وصوته ولحمه ودمه.

أترى الا يأخذ القضاء، أي قضاء في العالم، بهذه الظروف القاسية التي لا تستخدم فيها هذه الكلمات والشتائم والتخوين فقط، بل السلاح! فلنعتبر ان الدعوة التي اقيمت ضدنا (وضد المدير المسؤول في جريدة المستقبل الزميل الاستاذ توفيق خطاب، والزميل فارس خشان) قد حدثت في فرنسا، أو في الولايات المتحدة أو في البلاد التي تنفتح فيها العدالة على أدنى التفاصيل والظروف، أترى أما كان القيمون على القضاء أخذوا بالاعتبار الظروف التي أملت على فلان أو فلان الرد ببعض القاموس المتداول في المعارك السياسية..؟ ترى أما كان القضاء في أميركا أو في فرنسا أو في انكلترا.. كوِّن ملفاً عنْ "المُدّعي".. (تاريخه وتاريخ لسانه وسلوكه ووضعه ولغته السياسية وكذلك عن المدعى عليه..؟ أترى كان القضاء ليفصل بين الملفّين وبين النص موضوع الدعوى! والمسألة هنا تتجاوز مسألة "المجاز" المهمة المستخدمة من الشاعر والأديب، إلى خلفيات الكلام "غير المباح" (قانونياً، وعرفياً) وتداعياته؟ أترى كان القضاء ليجافي التساؤلات: لماذا اختار "مون جنرال" شاعراً ذا رأي مستقل ومعروف بنضاله التاريخي من أجل قيام الدولة الواحدة، والجيش الواحد والأرض الواحدة والقضاء المستقل والحرية والديموقراطية والقضايا المطلبية والحقوق.. ألا يجدر طرح التساؤلات: لماذا اختار عون شاعراً او صحافياً أو كاتباً، واستثنى آخرين اتهموه بالعمالة وباللصوصية والسرقة كما جاء في مقالة الزميل شارل أيوب في "الديار". لماذا لم يتجرأ على اقامة دعوى على بعض السياسيين من خصومه عندما اتهموه بالعمالة حتى ممن كانوا في صفوفه وتركوه؟ أترى لأن الشاعر "مكسر عصا" و"سقفه واطئ". لا! الشاعر هو السقف العالي وهو الصوت الحر والنقي ويحق له الصراخ (كما يحق لغيره) عندما يرى شعبه وانجازاته ومصيره مهددة وعندما يرى انه محاصر بالتهديد والتخوين والترهيب! ونتذكر هنا أن الفيلسوف الفرنسي باديو وصف الرئيس ساركوزي "بالفأر" ولم يقم هذا الأخير دعوى عليه. ونتذكر الشاعر والمسرحي الكبير هارولد نبتر(حصل على نوبل) عندما كتب قصائد هجائية بالرئيس بوش الابن.. ونتذكر شعراء عالميين كنيرودا والبرتي وماياكوفسكي وحتى من بلادنا العربية كالسياب وألبرتي ونجيب سرور يكتبون نصوصاً وقصائد تصرخ بأقسى الكلمات ضد بعض سياسيين! أتُرى نقول لهم: حسّنوا ألفاظكم! وانتهبوا إلى "حساسيات" بعض المثقفين والمثقفات التي جعلتهم "يستغربون" ما استخدم الشاعر من ألفاظ غير "بوريثانية" فلماذا إذاً لا يدينون المتنبي عندما قال عن كافور: "لا يقبض الموت نفساً من نفوسهم إلا وفي يده من نتنها عودُ او لماذا لا يصادرون اشعار أبي نواس أو بشار "غير المهذبة" يا عين! فما بالك بوضع نعيشه منذ نصف قرن حيث تعاقبت علينا الوصايات العربية والاسرائيلية وسواها، ومارست علينا القمع وسلبتنا السيادة وحرمتنا الحرية… أكل هذه الظروف لا تجعل الشاعر (أو سواه) يغضب، عندما يرى أن ما دمر الوطن في السابق ليستعاد اليوم وعلى أيدٍ معروفة! فيحاكم الشاعر على غضبه ولا يمس محترفو الشتائم ومبرمجو التخوين ومنظمو الترهيب؟ انها تساؤلات نطرحها في المناسبة وليست موجهة تحديداً إلى القضاء اللبناني اليوم (باعتبار أن قضاءنا كان مصادراً على امتداد العقود الأربعة الماضية اما من الميليشيات، أو من الوصايات، أو من قوى الأمر الواقع) وانما نتوجه أيضاً إلى كل مكان في العالم.

وأخيراً، نكرر شكرنا إلى القضاء اللبناني لأنه، وبرغم كل شيء هو عماد الدولة واملنا نحن الذين لم نرفع سلاحاً عليه، ولم نشتمه يوماً ولم نصادره ولم نقتل أفراداً فيه!

القضاء، ولو قضى ما قضى علينا ننحني لقراره ولحكمه! وألف شكر! ولكن من يردع أمثال ميشال عون حتى عن هذا القضاء الذي وجه إليه قبل أيام.. أقذع الكلام.. وأحطه.
ومن يحمينا من السنة ميشال عون "ونظرائه" التي لا تتورع عن امتهان سياسة التحقير والشتم والتكفير والتخوين..

من يحمينا من هؤلاء الذين يحترفون نظرية الغاء الآخر وتسفيهه والتطاول عليه بأبشع الذرائع وبأقذع السباب ، عندما يكونون محميين اما بحصانة نيابية ام وزارية أم طائفية أم امنية.. أم مسلحة! فهل يصل أحدٌ إلى هؤلاء! مهما تفوهوا وتفاوهوا.. هل تصل "العدالة" كل العدالة إلى هؤلاء!

أمحكوم على العُزّل من مواطنين وشعراء أو صحافيين وسياسين أن يتلقوا كل الاهانات، وعندما يردون، وترفع عليهم الشكاوى من قبل المبادرين بالشتيمة.. يدانون، مغلوبين على أمرهم، لأن ما يُحصّن هؤلاء.. يفتقدونه!

لهذا السبب بالذات، نقول، اننا نقبل قرار القضاء أياً كان.. ونحني رؤوسنا له لأنه ملجأ الناس الأخير.. وملاذهم من ظواهر العنف والتعنيف، والعدوانية والاستغلال والظلم!

شُكراً أيها القضاء، ويا أيها الذين اتصلوا بي مستنكرين قرار المحكمة.. ومقترحين تحركاً وبيانات استنكار وعرائض من لبنان والعالم العربي وأبعد، أرسِلوا برقيات الشكر إلى المحكمة! وإلى القضاء.. لكي نكون جميعاً درعاً لها.. وحصانة وسواراً يقيها.. لتلعب الدور المنوط بها والذي بدأت تلعبه وهو تثبيت وجودها كمرجعية مستقلة وعادلة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل