#adsense

جريمة زحلة شكّلت جرس إنذار للسياسيين بضرورة العمل على تخفيف التشنج السياسي

حجم الخط

جريمة زحلة شكّلت جرس إنذار للسياسيين بضرورة العمل على تخفيف التشنج السياسي
تفادي التداعيات يفترض تطبيق القانون في مجتمع يرتكز على الثنائيات المتقابلة

طوني أبي نجم 

 

ماذا جرى في زحلة؟ شهيدان جديدان يسقطان في خضم الأزمة السياسية التي تكاد تطيح بما تبقى من مقومات الدولة في لبنان. وما الادعاء بأن ما حصل لا يتعدى الخلاف على أفضلية مرور، وبين الوقائع التي تكشف تفاصيل عملية محبوكة ومدبرة بعناية، يتضح أن ثمة “شرّا مستطيرا” قد يكون وراء الأكمة تحضر له بعض الجهات وتتولى تنفيذه عبر أدوات داخلية. فهل تنجح هذه المحاولات؟ وهل يقع المجتمع اللبناني مجددا في دوامة العنف والاقتتال؟


لا يختلف اثنان على أن التشنج السياسي القائم في ظل الأزمة السياسية الخانقة التي تعصف بلبنان يكاد ينذر بعواقب خطرة على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي. وقد بات واضحا أن الحوادث الأمنية المتكررة تتخذ منحى أشد خطورة مع سقوط المزيد من الشهداء والجرحى، في ما يشكل محاولة من البعض لاستدراج المجتمع اللبناني نحو مواجهات داخلية عنفية.


وآخر هذه الحوادث تمثل في الجريمة المروعة التي ضربت مدينة زحلة عبر قيام مناصرين للنائب الياس سكاف بإطلاق النار على كتائبيين عقب افتتاح مركز كتائبي في منطقة حوش الزراعنة في زحلة، في عملية تكثر التكهنات حولها، ولا سيما بالنسبة الى توقيتها وخلفياتها وأهدافها. والأهم أنها تأتي في ظل إصرار “خارجي” على افتعال حوادث في الداخل تنتقل من منطقة الى أخرى.


وتطرح أسئلة كثيرة، انطلاقا من هذه الحادثة عن طبيعة ما يعيشه المجتمع اللبناني، والى أي مدى يمكن الحديث العلمي عن العودة الى العنف الداخلي تعبيرا عن حالة الاحتقان السياسي.


أستاذ علم الاجتماع الدكتور ملحم شاوول يعتبر أن “التشنج السياسي يحمل دائما احتمالات اللجوء الى الفتن. اذ لا يمكن الفصل بين التشنج السياسي وبين الانزلاق الى الفتن. فالنظام السياسي الشرقي القبلي مبني على ما نسميه الثنائيات المتقابلة التي لا تحتمل إمكانات حل المشاكل، إلا إما بالتوافق وإما بالعنف. وعلينا ان نضيف الى  هذه العوامل واقع العصر الحالي لناحية التكيّف الاعلامي. فمعظم  اللبنانيين يجلسون يوميا أمام شاشاتهم الصغيرة التي تبث لهم مادة تحريضية تدعو الى ممارسة العنف، سواء بشكل واع أو لاواع، وتبرره أو حتى تشرعنه عبر إطلاق اتهامات الخيانة والرفضية وتلقي الأوامر من الخارج أو العمل لمصلحة طرف إقليمي ما”.


الباحث الدكتور هنري كريمونا يعتقد أن “القيادات في لبنان تبدو أوعى من الناس. فما يدفع الى الطمأنينة أن القيادات تعي أن انزلاق التشنج السياسي نحو أعمال عنفية يؤذي الجميع من دون استثناء، وبالتالي سيؤدي الى خراب الوطن. والحديث عن أن المجتمع اللبناني مهيأ للعنف ليس مبررا في ذاته، ولكن أي مجتمع يعيش تسارعا للحوادث كما يحصل يخلق حالا من القلق الدائم. ولكن، الدولة القائمة في لبنان ليست عاجزة، رغم كل الشوائب وهي لا تزال تقوم بالأدوار الأساسية، وخصوصا على صعيد المؤسسات الأمنية، وهذا ما يجب التشديد عليه لمنع حدوث الأسوأ”.


الأخطار التي تهدد الداخل اللبناني تبدو كثيرة، وخصوصا في ظل كثرة الحديث عن تنامي احتمالات العودة الى حروب داخلية. وبين تأكيد ونفي على صعيد القيادات السياسية يبدو علم الاجتماع متشائما. فشاوول يؤكد أن “المعطيات الحالية تحمل في طياتها كل عوامل الانفجار. أما أشكال هذا الانفجار فتحددها الأطراف وكيفية ممارستها السياسة. فحتمية المشاكل تسبق حاليا حتمية التوافق، لأن لا مقومات داخلية للتوافق، ما يعني أن احتمالات الوصول الى حالة عنفية معينة تبدو مرتفعة، من دون إسقاط أن كل الاحتمالات واردة في ظل الخوف من عدم القدرة الداخلية على السيطرة على الأمور. فالتأثير الخارجي له جذور تاريخية تعود الى القرن التاسع عشر، ونظام المجتمع اللبناني يستطيع أن يحوّل العوامل الخارجية عوامل داخلية. فالأطراف الداخلية تتبنى خيارات “خارج” ما وتمحو المسافة معه بشكل تتماهى معه، أما النقاش حول هذه الأمور فيبدو وهميا، لأن العوامل الداخلية تظهر مسكوبة خارجيا ومتجسدة داخليا”.


أما كريمونا فيشير الى أن “الانفجار لا يمكن أن يحصل الا في حالتين: إما بتوجيه خارجي وهو ما يبدو أنه موجود فعلا، ويهدف الى افتعال الانفجار الداخلي ربما لتجنب انفجارات اقليمية، أو بسبب قرار من قيادات محلية بالذهاب الى حرب داخلية. إذاً من المهم أن نصل الى درجة وعي عالية لدى القيادات السياسية في لبنان تمكنها من مواجهة أي مسعى خارجي لتفجير الأوضاع داخليا لأن الارتدادات ستشمل الجميع ولن يستفيد منها أي طرف داخلي”.


دور المجتمع المدني

 

رغم الجو السلبي، فإن بارقة أمل لاحت في أفق المجتمع اللبناني في الذكرى الـ33 لاندلاع الحرب اللبنانية، وتمثلت في حركة ناشطة لمؤسسات المجتمع المدني اللبناني بهدف نشر التوعية من مخاطر العودة الى حرب داخلية ورفض العنف، والتذكير بوجود طرف ثالث في لبنان لا ينتمي الى أي طرف في النزاع السياسي الداخلي، ويهمه ألا ينزلق هذا النزاع الى ما لا تحمد عقباه. وهذه الحركة النشيطة للمجتمع المدني يمكن التعويل عليها بحسب علماء الاجتماع. فشاوول يأمل في “أن نعول على تحرك المجتمع المدني رغم ضعفه. إنها الحالة الوحيدة التي يمكن البناء عليها. ثمة إعادة إنتاج للذات بشكل دائم. ومن يتعلم من ماضيه يضع مسافة بينه وبين تاريخه الذي يصبح مدونا فتحصل مراجعة أخلاقية لممارسة الأطراف. المشكلة أن تاريخنا لا يعلم لأن لا رواية فيه، اذ لم تتم كتابته لذا لا يمكننا أن نتعلم منه”.


وكريمونا يتمنى “تعميم تجربة المجتمع المدني في التوعية من مخاطر العودة الى الحرب الأهلية. فهذا المسعى يمكن أن نعوّل عليه في اتجاه نشر ثقافة رفض العودة الى العنف الداخلي. والمطلوب أن يشمل العمل الأحزاب السياسية لنشر ثقافة السلام، لا أن تقتصر مساعي التوعية على مؤسسات المجتمع المدني. فالأساس يبقى في نشر الوعي بين المحازبين حتى لا يشكلوا العصب والوقود لأي حروب. وبالتالي فإن المطلوب أن تعمم ثقافة السلام والتوافق واحترام الآخر، بدلا من سياسات الإلغاء والتخوين ورفض الآخر”.


من المسؤول عن الحالة القائمة؟ وهل السياسيون متساوون في تحمل مسؤولية ما يجري؟


يجيب شاوول “المسؤولية تنقسم مسؤوليات. على الصعيد الأخلاقي جميعهم متساوون. أما على الصعيد السياسي فبطبيعة الحال أن ثمة فريق لديه نظرة أفضل للبنان من النظرة التي يعبّر عنها الفريق الآخر”.


أما كريمونا فيصر على أن “المسؤولية السياسية تتوزع بحسب الأدوار التي يلعبها بعض القادة في تغليب مصالحهم الشخصية وطموحاتهم على مبدأ المصلحة العامة. وبالتالي فإن بعضهم قد لا يمانع في إحراق البلد إرضاء لطموحاته. لذلك لا يمكن الحديث عن التساوي في المسؤوليات، بل يجب التدقيق في دور كل سياسي على حدة. أما على الصعيد الاجتماعي فإن التحريض يظهر بنسب متفاوتة، وذلك تبعا للحوادث التي تجري، وفي المنطق العلمي لا يجوز التعميم على الإطلاق في الأحوال كلها”.


كيف نتجنب التداعيات؟

 

انطلاقا مما تقدم، وبعد أيام على جريمة زحلة وما رافقها من تشنجات على مستوى الشارع ومن كلام سياسي عالي النبرة، لا يبدو ان الفرص المتاحة لتفادي التداعيات المحتملة لهذه الجريمة كثيرة. ففي ظل المعطيات والحديث عن جريمة منظمة وعن تورط جهات سياسية معينة في التواطؤ مع المجرمين لتنفيذ الجريمة بخلفيات سياسية واضحة، ومن ثم العمل على “تهريبهم” ضمن منطق الحمايات السياسية، تبدو الأجواء مستعرة والدماء تغلي في كثير من العروق المصابة.

 

 فعندما تقع جريمة مروعة بهذا الحجم، يصبح الخطر كبيرا في حال لم يتم تطبيق القانون بما يضمن حقوق الناس، وخصوصا اهل الضحايا والمصابين في هذه الحالة. فوجود الدولة وهيبتها مرتبطان بتطبيق القوانين التي تمنع الانزلاق نحو “شريعة الغاب”. لذلك فإن تداعيات جريمة زحلة ترتبط بمدى نجاح السلطات في فرض هيبة القانون. ويشكل تعاون السياسيين المعنيين في هذا الملف عاملا أساسيا لتهدئة الأجواء الداخلية ووضع حد لأي تفاعلات محتملة. وإذا لم يتعاون المعنيون يترسخ في ذهن الرأي العام منطق تحميلهم مسؤولية معنوية على الأقل في إذكاء الفتنة الداخلية، بسبب إصرار بعضهم على تسخيف جريمة تبدو دوافعها وخلفياتها السياسية واضحة، إضافة الى كل المعطيات التي تثبت كونها معدة بإتقان، ما ينفي عنها صفة الفردية أو أنها حادثة عابرة.


ويؤكد شاوول في هذا الإطار أنه “إذا استطاعت الدولة عبر القوى الأمنية أن تقبض على المجرمين وتسلمهم الى القضاء حيث تتم محاكمتهم، نكون وفرنا على أنفسنا والبلد تداعيات خطرة. أما إذا لم يحصل ذلك فخطر الانزلاق نحو محاولات تطبيق العدالة الخاصة يكبر ليشكل خطرا فعليا، إلا إذا استطاعت السلطات أن تقنع الرأي العام وذوي الضحايا أن المجرمين باتوا في مكان بعيد بحيث يستحيل جلبهم الى العدالة”.


ويؤكد كريمونا دور الدولة، لكنه يلفت الى أن “جلب المجرم الى العدالة ليس بالضرورة أن يتم في يوم أو يومين، وحتى في الدول المتقدمة يستغرق أحيانا أمر اعتقال المجرمين أشهرا أو حتى سنوات. لذلك فإن ثمة دورا للقيادات السياسية في منع الانزلاق نحو أعمال عنف في انتظار أن يتم تحقيق العدالة، لأن أي عمل بخلاف ذلك يعرّض أمن الوطن كله للانهيار”.


أمراض نفسية واجتماعية

 

انطلاقا من واقع القلق الذي يسود المجتمع اللبناني، فإن ثمة تفسيرا علميا لظاهرة تبدو مرضية في جوانب منها أكثر منها واقعية. وهذه الظاهرة يمكن أن تنطبق على المجتمع اللبناني عموما أو حتى على مجتمعات الطوائف خصوصا، بحيث تعيش كل طائفة هواجس من نيات مفترضة من الطوائف الأخرى تجاهها. ويقول شاوول في هذا الإطار: “القلق داخل المجتمع يخلق حالة مرضية (paranoia) بحيث يرى المجتمع أعداء في كل مكان، وأن عليه أن يدافع عن نفسه. فهذا “الجنون المؤامراتي” يدفع المجتمع والأفراد فيه الى اللجوء الى ممارسات عنفية تجاه أعداء وهميين لا وجود لهم. وهذه الحالة تنتشر في كل المجتمعات التي تعاني عدم الاستقرار، ومنها بطبيعة الحال المجتمع اللبناني”.


ويوافق كريمونا على تشخيص الحالة المرضية لكنه يرفض تعميمها على المجتمع، ويصر على أنها تشكل حالة مرضية لدى بعض القيادات التي تنقلها بالعدوى الى المحيطين بها بسبب إلتصاق بعض المناصرين بقياداتهم. “فالأمراض لدى بعض القيادات تبدو نفسية وأخلاقية في الوقت نفسه، وهذه القيادات تحاول أن تعمم أمراضها على المحيطين بها لتبرير وجودها ومنطقها اللامنطقي. وهذا تحديدا هو واقع الـپارانويا” التي يعانيها بعض القادة في لبنان”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل