#dfp #adsense

الظاهرة اليعقوبية في ثورة شعب لبنان

حجم الخط

في تحليل علمي اجتماعي ــ سياسي لما يحصل حاليا في لبنان من تحول كبير في الحياة العامة نتيجة اندلاع ثورة الشعب الكريم والابي، يمكن تسجيل الملاحظات العلمية التالية:

اولا: الثورة كظاهرة اجتماعية تسمى بـ”التغير الجذري” عكس “التغير الطبيعي” الذي يطلق على معالم تغير المجتمع المتسمة بالبطء والتدرج. فالثورة في تعريفها العلمي الاجتماعي السياسي هي تحول عميق وسريع في بنية المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيمية.

وقد شهدت الساحة اللبنانية منذ اندلاع الثورة في 17 تشرين الاول قسما هاما من هذه التحولات البنيوية: فسياسيا، برز تيار شعبي كبير كفر بالأحزاب والقوى السياسية التي لطالما كانت تقوده وقرر تنحيتها (كلن يعني كلن). واقتصادياً، برز توجه شعبي الى شل الحياة الاقتصادية القائمة لمحاولة الاطاحة بالتركيبة الاقتصادية التي يتهمها بالفساد (التهجم على المصرف المركزي مثلا وحاكمه). واجتماعياً، برز لأول مرة التضامن اللبناني لا بل توحد اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم. وثقافياً، حررت الثورة اللبنانيين من الفكر المتقوقع طائفيا وعقائديا ودينيا الى الفكر الوطني الاشمل والارحب والعابر للثقافات.

ثانيا: الثورة في لبنان عكست انتفاضة الفكر اللبناني على تراكمات الذل والاستعباد والخضوع التي عاشها اللبنانيون على مر العقود. من هنا، يقيم علم الاجتماع العلاقة بين الحراك الاجتماعي والتغير الاجتماعي من جهة وبين الاصلاح الاجتماعي والمساواة الاجتماعية.

فالتغير من اسباب الحراك وهو، اي التغير يسهل انتقال الفرد من المراتب الدنيا في السلم الاجتماعي الى المراتب الاعلى منها او حتى العكس. لذلك، يدفع الحراك الثوري التغير دائما الى الامام نحو الأعلى، تماما يهدف الاصلاح الاجتماعي الى تحقيق المساواة عبر سياسات اجتماعية ناجحة، للحد من التفاوت الطبقي على اقل تقدير.

من هنا وانطلاقا من التوصيف أعلاه، ينطلق التغير الذي يشهده الشعب اللبناني حاليا، من الثورة ليصل الى الاصلاح المنشود، فبالثورة والاصلاح يحصل التغير الاجتماعي اللبناني.

يعتبر كارل ماركس ان التغير من خلال الثورة هو الوسيلة الوحيدة، ومن هنا يعتبر الاخيرة اي الثورة، حتمية، ففي لبنان بلغ الفساد وقهر الشعب من الطبقة الحاكمة حدا أرغم اللبنانيين معه على الانفجار والتعبير في الشارع عن ثورتهم.

الا ان ميزة الثورة اللبنانية الحالية تكمن في انها: وهي منطلقة من النظرة الثورية، الا انها تهدف الى الاصلاح والحوار للتخفيف من حدة الظلم والفقر والعوز والفاقة، من خلال السعي للتوصل الى تعهدات بالتغييرات المنشودة عبر القنوات والهيكليات الادارية والرسمية الموجودة كالضمان الاجتماعي والنقابات ومجانية التعليم والطبابة المجانية او المغطاة تكاليفها…

من هنا، لا تهدف الثورة في لبنان إلى القضاء على المؤسسات حتى الحكومية، بل اصلاحها عبر تطهيرها من الفاسدين بالدرجة الاولى لتعود في خدمة المواطن وفقا لمعايير تنمية وتطوير وتقديمات اجتماعية ومساواة ورعاية.

ثالثا: كما في كل ثورة شعبية، هناك القوى الثائرة والقوى المضادة للثورة، اي تلك التي لا تناسبها الثورة لأنها تضر بمصالحها وبالتركيبة السلطوية القائمة.
من هنا، وان كانت اساليب التعبير الثورية غير منظمة، اقله في مرحلة تأسيسية لانطلاق الثورة، تأتي المفارقة من ان من هذه الحركة غير المنتظمة تتولد التيارات والحركات التغييرية وتجد لها مرتكزا للتعبير.
ففي خلال الثورة الفرنسية الكبرى مثلا عام 1789 تمحورت العناصر التي كانت تنادي بالتغير الاكثر جذرية في ناد سياسي جديد عرف بالنادي اليعقوبي Le club des jacobins والذي بدوره اسس لتيار سياسي واسع في فرنسا الذي نادى بمركزية السلطة وفصل الدين عن الدولة والعلمنة ومؤسسات الدولة ــ الامة Etat Nation.

وللتذكير، عرفت بيروت اثناء فترة النهضة اواخر القرن التاسع عشر جمعيات متعددة ومنها سرية نادت بالإصلاح وبالدستور وبنظام لا مركزي عن سلطات إسطنبول.

فما يميز الحراك الثوري اللبناني حاليا انه حراك غير منتظم وقوى التغير فيه غير معلنة لا بل غير مرئية، لذا فان غياب قوى التغير المنتظمة (ومنها الاحزاب والنقابات والجمعيات)، تؤدي حتما الى بروز هيمنة لتيارات ثقافية وفكرية جديدة على القرار الثوري يؤدي الى ظهور فكر وطني جديد ومختلف عن الفكر التقليدي الذي كان سائدا.

وكما في غالب الثورات تواجه قوى التغير قوى معاكسة لها دوافعها ومصالحها بعدم حدوث التغير المطلوب ويعرفها الباحثون السوسيولوجيون “بالقوى المحافظة” او الرجعية او التقليدية، ترفض التغير وتقاومه، وهو المتمثل حاليا في لبنان بأحزاب وقوى السلطة ورموز التحالف الايراني الاسدي الاقليمي لمحور الممانعة.

رابعا: مع غياب القوى المنتظمة للثورة تؤدي النخبة الثقافية (الانتليجانسيا) الدور التغييري من خلال الافكار التي تبثها تلك الطبقة في المجتمع فتفرض نفسها تلقائيا على المجتمع والنسيج الاجتماعي، ومنهم الاعلاميون والفنانون والكتاب والشعراء وجميعهم نماذج جذابة للشباب الثائر، لبث قيم الحب والحرية والعدالة والمساواة والتجديد بدل منطق السلطة والقوة الغاشمة.

الا ان مخاطر الثورة المضادة موجودة، فكما سبق وذكرنا اعلاه هناك قوى لا يناسبها التغير الجذري، المتمثل بالثورة، فاذا عدنا لتاريخ الثورات ومقاومتها نجد العديد من الامثلة: كمثال التيار الملكي الكاثوليكي في فرنسا والذي قاد حركة مسلحة مضادة للثورة الفرنسية الكبرى انطلاقا من منطقة “الفانديه” وانتهت بهزيمته.

ومثال حركة جنرالات القيصر في روسيا الذين اسسوا الجيش الابيض وحاولوا التصدي للثورة البولشيفية من مناطق سيبيريا واسيا الوسطى.
فهذه الثورة المضادة خطرها في لبنان موجود حاليا ان من خلال الادلجة العقائدية لقسم من الشباب اللبناني (جمهور حزب الله) وان بالتعبئة الحزبية لقسم اخر (التيار الوطني الحر)، والمفترض ان يكون هو الطاقة التغييرية، او من خلال استغلال الاوساط الاكثر فقرا وحرمانا بالدعاية والاعلام النفسي والرشوة المادية.

ختاماً، الشعب اللبناني الثائر ماض في ثورته التغييرية، وهو اليوم بات بمثابة النادي اليعقوبي الكبير الجامع والموحد والمنصهر بين ابنائه من اجل اصلاح جذري يقفز بلبنان الى مرحلة جديدة من النمو والتحرر والحوكمة الرشيدة والنظيفة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل