احتمالات الانفجار الفجائي تقضّ مضاجع اللبنانيين
منطق الكابوس المعمَّم يمسك بالحياة السياسية والأمنية
كيفما أحتُسِبت وقائع السياسة في لبنان، فإن أخطر سمة فيها، في الرّاهن والقادم من أيّام على وجه التخصيص، هو أن يمعن طرف ما بتقديم نفسه في هيئة "كابوس"، وذلك قبل أن يتطوّع أي طرف آخر لتعريفه أو لتظهير صورته أو للمصادقة على تسميته.
بل إنّ البعض من وجوه "قوى التطرّف والغلوّ" في لبنان صاروا يستطيبون تلك الهيئة "الكابوسية"، وصار تهديدهم موجّهاً جلّه إلى الداخل. المعادلة هنا مضحكة مبكية: قوى التطرّف تخوّن اللبنانيين غير المنضوين في ظلّها لأنهم لا يركّزون كليّة على مواجهة اسرائيل، فتكون النتيجة أنّهم بدورهم، كـ"قوى تطرّف" لا يعرّجون على مواجهة إسرائيل إلا كتوطئة واستهلال في سياق خياب تخويني ضد الداخل.
وأخطر سمة للحياة السياسية و"الأمنية" اللبنانية حالياً هو أن يواظب طرف على القول بأنّ اللبنانيين محكومون بنسج علاقات "كابوسيّة" فيما بينهم، وما بين بلادهم وسواها. وهكذا لا خيار للناس، ولا داعي لإجماعهم، وإنّما لفرزهم، بين وطنيين وعملاء.
ثمّة بالفعل كابوس يخيّم فوق لبنان منذ سنوات. ثم قبل كلّ شيء "شبهة كابوس" أو "إحتمال كابوس" يقضّ مضاجع اللبنانيين.
وأول مظهر لهذا الخطر أنّ اللبنانيين يعملون فيما "إحتمال الكابوس" يلاحقهم. هذا الإحتمال هو نوع معيّن من الكابوس. يلاحقهم ليلاً ونهاراً، ويؤرّقهم مع بداية موسم الإصطياف. فـ"إحتمال الكابوس" تزيد درجة إثارته للقلق كلما تناسبت بشكل عكسيّ مع المشهدية الواعدة، بالسياحة وبالسيولة، للصيف اللبنانيّ. فأن يكون كل ذلك معرّضاً للإندثار في بضع لحظات، وأن يكون هذا الإحتمال وارداً في الصيف أكثر منه في بقية فصول العام، فهذا بحدّه "كابوس على كابوس".
والصورة الأخرى للكابوس أنّ مجرّد التفكير في "ضبط الكابوس"، وفقاً للقواعد المترجمة في القرارات الدولية، صار يُنظر إليه كما لو أنّه سيواجَه بطفرة "كابوسية" من النوع الذي رأيناه في الجنوب اللبناني مؤخراً. الكابوس المقيّد برزمة القرارات الدوليّة يحاول أن يقول بأن الإستمرار في تقييده كفيل بتجديد سطوته ككابوس، في حين أن تخففه من هذا القرارات سينعكس تعميما مطلقاً للحالة الكابوسية في طول البلاد وعرضها.
والصورة الثالثة هي أنّ مجرّد التفكير في تجاوز الكابوس، من خلال العمل على إظهار الحقائق "العالقة" في البلد هو بحدّ ذاته أمر صار يشار له من قبل الطرف المتباهي بـ"كابوسيته" على أنّه سيدخل اللبنانيين في "كابوس مطلق" لا أوّل له ولا آخر. أي أنّ اللبنانيين محكوم عليهم بـ"كابوسين" في هذا المقام. فمن جهة، نجد الكابوس المتمثّل بإخفاء الحقائق المرتبطة بالحرب السريّة الأخيرة التي نكّلت بزعماء من لبنان، ومن جهة ثانية، الكابوس المتمثّل بردّة الفعل التهديدية مسبقاً على كل تفكير في انتزاع الذات من "الكابوس الأوّل"، وذلك من خلال معرفة الحقيقة على أقل تقدير.
في كل الحالات يعاني اللبناني مشكلة لا يمكن وصفها بمصطلحات علم السياسة، وإنّما بالمصطلح النفساني بإمتياز، مصطلح "الكابوس".