قرر "الأهالي" وقيادة "اليونيفيل" في الجنوب أن يحب أحدهما الآخر، بعد روايات متعددة، تفاوتت بين زعم دخول القوات الدولية بيوتا، والقول بمطاردة دراجات لمجموعة منها قبل تطويقها ورشقها بالحجارة.
انتهت "المواجهة" بمشهد تحوّل حضور الجيش فيه الى دور "شيخ صلح" بين القوات الدولية و "الأهالي" المستغضبين (أي الذين ينسب اليهم غضب ليس منهم. وهي كلمة منحولة عن مستضعفين، وهم الذين ينسب اليهم ضعف ليس فيهم).
خلاصة القصة القصيرة التي شهد الجنوب فصولها الآتي:
– صار الجيش اللبناني في الجنوب راعياً لتفاهم الطرفين الآخرين.
– بات "الأهالي" هم الندّ للقوات الدولية في عملها.
يفترض ان هاجس القوات الدولية، من الآن فصاعداً، مراعاة خاطر "الأهالي" في أدق التفاصيل، وان تتحضر لقبول اضافات الى لائحة "الممنوعات" التي فرضت عليها.
واقعياً، شهدت منطقة جنوب الليطاني، عملية تطويع حققت ما عجزت عنه محاولة بذلها "حزب الله" بعد حرب تموز 2006، حين ادعى ان وزراءه في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة إبان تلك الحرب، لم يوافقوا على البنود السبعة التي حملها خطابه في روما، وتضمنها، لاحقاً، القرار 1701.
كان الادعاء سقط حين كذّبته الصورة والصوت متلفزين. كان المطلوب التحرر من البنود المذكورة، وتحميل الحكومة (من دون وزراء الثنائية الشيعية) مسؤولية مجيء القوات الدولية الاضافية، بدورها الجديد. ما حدث اخيراً هو محاولة ضبط القوات المذكورة والدور المحدد لها، وتحقيق موارب لما لم يتحقق بشكل مباشر.
التطويع ليس أمراً طارئاً في استراتيجية من يقف وراء لافتة "الأهالي". فذلك كان دأبه منذ زمن، ومن أبرز محطاته "العامة" "التحرك الشعبي" المستغضب في الأول من تموز 2006 في مناطق عدة في بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع احتجاجاً على تناول البرنامج الفكاهي "بس مات وطن"، والذي يعدّه شربل خليل، عبر "المؤسسة اللبنانية للإرسال"، شخصية الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في شكل هزلي وتهكمي. فبعد إذاعة البرنامج قبيل التاسعة مساء اندفعت حشود الى شوارع الضاحية في اتجاه طريق المطار وجادة الرئيس حافظ الأسد، حيث قطعت الطرق وأحرقت إطارات السيارات.
وسرعان ما امتدت مظاهر الاحتجاج، التي قيل إنها عفوية وغير منظمة، الى بعض أحياء بيروت وشوارعها، وكذلك الى الجنوب وبعلبك وحارة صيدا والنبطية وصور، فيما روّج ان الاتصالات انهالت على قيادة "حزب الله" وتلفزيون "المنار" واذاعة "النور" مطالبة بالرد على "الاهانات" التي وجهت الى نصر الله. وأعلنت قيادة الحزب عن اجراءات عاجلة بالتعاون مع الجيش، واقام عناصره حزاماً امنياً حول كنيسة مار مخايل في الضاحية، فيما قام مسؤولون فيه بجولة في المناطق التي شهدت تظاهرات وطلبوا الى المناصرين التحلي بالهدوء.
واضطر رئيس مجلس ادارة "المؤسسة اللبنانية للإرسال" بيار الضاهر الى إذاعة بيان علني يتضمن اعتذاراً عما جرى، وأذاع معدّ البرنامج بياناً مماثلاً.
في بداية العام التالي، وتحديداً في العاشر من كانون الثاني، نفذ الاتحاد العمالي العام "بتأثير من المعارضة" إضراباً، احتجاجاً على السياسة الاقتصادية للحكومة. وبعد ثلاثة أيام نفذت هذه المعارضة اعتصاماً أمام قصر العدل. وفي 23 من الشهر نفسه لبت مناطق لبنانية عديدة دعوة المعارضة الى الإضراب، وحصلت اشتباكات متنقلة أدت الى سقوط ثلاثة قتلى ومئة وخمسين جريحاً، وقطع طرق وإشعال اطارات. ولفّ الدخان الأسود العديد من الأحياء في العاصمة والمدن الأخرى. وبعد يومين، سقط أربعة قتلى وعدد كبير من الجرحى في اشتباكات في محيط جامعة بيروت العربية التي تحولت الى ساحة مواجهات.
في العام التالي، ومن دون التوقف عند حوادث محدودة المدة والنتائج، شهد كانون الثاني 2008 مظاهر احتجاج على تقنين الكهرباء، اتخذت ارضاً لها الشارع الفاصل بين منطقتي الشياح وعين الرمانة، وشهدت اطلاق نار، تعددت الروايات في صدده بين مؤكد ان مصدرها مضرمو النار، وقائل بأن قوة الجيش المتمركزة هي من بادر.
في النتيجة، أحيل ضباط الجيش على المحكمة العسكرية، وكانت شهادة واضحة على آثار ذلك حوادث 7 أيار 2008 وما تردد عن سلبية القوى العسكرية امام تفلّت حملة السلاح في شوارع العاصمة وتعدياتهم على الناس، وسقوط اكثر من 50 شهيداً من المواطنين العزّل، عدا انتهاك الكرامات.
صورة أخرى يمكن ايرادها، هي استشهاد النقيب الطيّار سامر حنا في سجد، وخروج المتهم باغتياله بكفالة مالية.
من "بس مات وطن" الى "المستغضبين" في الجنوب "خيط تطويع" يربط الفن ببيوت جنوب الليطاني، مروراً ببيروت وتحليقاً فوق سجد.