#adsense

حقوق الفلسطينيين بين المزايدات والمصلحة الوطنية

حجم الخط

اكبر دليل على واقع حال المشهد اللبناني الداخلي "المكربج" بغلال اتفاق الدوحة وتوابعه الميدانية هو ما اصبحت عليه اليوم الامور السياسية والوطنية في لبنان – فادنى ملف او اقل قضية او موضوع يطرح يسبب تشنجات واحتكاكات وصدامات وتصادمات وردود افعال على افعال واقوال واستحضار لاشباح الصراعات والمحاور حتى باتت الوضعية اللبنانية كما في سوق عكاظ المفتوح على الردات والارتدادات من كل حدب وصوب.

ولعل ابرز قضية اليوم يغالى بشأنها وتسجل البطولات والمزايدات عليها هي قضية ما اصطلح على تسميته "حقوق الفلسطينيين" وبالنسبة الينا ما نعتبره "حقوق انسانية " للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

بين اقتراحات من هنا وصيغ من هناك وتوصيات من هنالك، اهم ما يجب ان نفهمه جميعا ان المزايدات ممنوعة في هذا الموضوع "وتربيح الجميل" ممنوع ايضا. فثمة حقائق تاريخية يجب ان تحكم هذا الملف وتسود اي صيغة حقوق للاجئين الفلسطينيين لعل ابرزها:

اولا: ان الملف الفلسطيني في لبنان شائك لدرجة تفوق مجرد نزوة او "تبييض وجه" او تسابق على التعبير عن عواطف "ابو ملحم" من الموضوع الفلسطيني في لبنان – ذاك ان هذا الملف يجب ان لا يغيب عن بال الحليف كما الخصم انه وحتى اشعار اخر يحكمه في جانب منه هواجس – ونقولها بصراحة مسيحية بالطليعة – مستمدة من تاريخ غير مشجع من الصراعات والصدامات مع الوجود الفلسطيني الذي في فترة من فترات نمو مشروع كسنجر المشؤوم اراد منح لبنان للفلسطينيين بديلا عن فلسطين وتنازلا منهم عن حق العودة – وحينه كانت القيادة الفلسطينية على قاب قوسين من الموافقة على حكم لبنان وقد حكمته فعلا … فلا داعي للتغلغل اكثر في التاريخ …
يومها بتنا نسأل عن حقوق اللبنانيين في ارضهم بين مطرقة اتفاقية القاهرة وسندان العمليات العسكرية انطلاقا من "فتح لند ".

لذلك فانن لا نقبل بمحاولة التعمية عن هذه الهواجس التي يمارسها بعضهم عن قصد او غير قصد، وسواء من موقع الخصم او الحليف لان التاريخ خلاصة تجارب كل اللبنانيين وليس فريق منهم على حساب الاخرين. ما يوجب الاخذ بالاعتبار كل الهواجس والاحاطة بالملف من كافة نواحيه النفسية والتاريخية قبل السياسية منه او المصلحية الضيقة.

ثانيا: ان اعطاء الحقوق الانسانية للفلسطينيين يحكمه حدين اساسيين: الحد الاول ويتمثل في عدم المس بحق العودة – والمساس بحق العودة لا يكون بمجرد عدم التملك او سواه بل وقبل اي شيء في عدم جعل الفلسطيني "يتطبع" مع الواقع اللبناني لدرجة عدم رغبته او تفكيره بعد اليوم بالعودة الى ارضه وبالتالي مساهمتنا غير المباشرة او المباشرة – بحيث ندري او لا ندري – في منح اسرائيل ما تريده اسقاطا لحق العودة عن طريق ما نعتبره "لقاحا " مسكنا لحمية العودة والمطالبة بحق العودة – فالعبرة ليست في حجم او موضوع الحق المنوي منحه للفلسطيني بقدر ما هو في مدى تأثيره النفسي على المدى المتوسط والبعيد على "شهية الفلسطيني " في استمرار مطالبته بحق العودة الى دياره – فقد يكون الحق الممنوح صغيرا ولكن مفعوله النفسي والاطمئناني كبير بحيث يودي بنا الى هذا الخطر وقد يكون الحق كبيرا ولكنه غير مؤثر في تصميم الفلسطينيين على العودة نفسيا وسياسيا وانسانيا ونضاليا .

اما الحد الثاني فيتمثل في مراعاة امكانيات السوق اللبناني المحلي على استيعاب الطلب والاعباء التي ستترتب على منح حقوق "انسانية" للفلسطينيين – سواء سوق العمل او سوق السكن او الضمانات الاجتماعية وسواها – وهنا تستوقفنا بعض التصاريح التي تحاول تشبيه وضع الفلسطيني في لبنان باي مقيم عربي لتبرير اعطاء اللاجئين حقوق كما يعطى المقيم العربي – فهؤلاء ينسون بأن اي عربي غير الفلسطيني لا يعاني من المشكلة – المعضلة التي يعانيها الفلسطيني والمتمثلة في طرده من ارضه جماعيا وفي كونه صاحب قضية العرب المركزية – او هكذا يقولون لان لبنان اثبت الى الان انه لا يزال يتحمل عن العرب مجتمعين اوزار القضية الفلسطينية حتى الساعة – وهم ينسون ان على الكتف حمال – ليس اقله القرارات الدولية بتكريس حق العودة واتفاقيات الانروا المولجة وحدها دون وساها – بما فيها الدولة اللبنانية – في تأمين اسباب العيش الكريم للفلسطينيين بصفتهم القانونية "لاجئين موقتين " في بلاد الشتات واولها لبنان.

فصحيح ان اللبناني اليوم وفي ظل الضائقة الاجتماعية والحياتية والاقتصادية لا يلقى من دولته ما يمكنه ان يعيش حياة كريمة في بلاده – والتقصير واضح في هذا الاطار ولا حاجة بنا الى سرد ابوابه ومواضيعه – وبالتالي فاننا لا نرى كيف يمكن اثقال الوضع اللبناني الداخلي بمزيد من الاعباء المالية والاقتصادية والحياتية والمعيشية – فضلا عن الاخلال بشكل او باخر بالتوازنات الداخلية من خلال ما اصطلح اخيرا على تعداده رقميا بحوالى نصف مليون فلسطيني على ارض لبنان…؟؟؟

ثالثا: ان اعطاء الحقوق الانسانية للفلسطينيين يجب ان يترافق مع قرار جريىء تتخذه الدولة اللبنانية بنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات واقفال معاقله غير الشرعية المنتشرة على الارض اللبنانية من دون وجه حق وبصورة غير قانونية وبما يخل بالسيادة اللبنانية والاستقرار الداخلي.
انه تنفيذ لقرار طاولة الحوار الاولى التي اجمع عليها اللبنانيون – وبالتالي ثمة تفويض للدولة بتنفيذ هذا القرار بعدما تأمن له الغطاء السياسي سواء الاقليمي عبر الدور السوري المؤازر للحكم اللبناني او المحلي بموافقة كافة القوى والاحزاب اللبنانية بما فيها "حزب الله" على السير في هذا الموضوع حتى النهاية.

ان ربطنا بين اعطاء الحقوق للفلسطينيين وبين نزع السلاح الفلسطيني غير الشرعي خارج المخيمات، ينطلق من حقيقتين علميتين هما:

1- ان اعطاء الفلسطينيين حقوق في لبنان ولو انسانية الطابع والمضمون ينطوي على مخاطر تأمين مقومات الصمود والترسيخ الفعلي على الارض لدويلة فلسطينية – من خلال جعل الحقوق ارضية انسانية واجتماعية تدعم استمرار السلاح الفلسطيني وتعزز المطالبة مستقبلا بمنحهم حقوق المقاومة والتصدي للعدوان الاسرائيلي بعدما حصلوا على حقوق انسانية واجتماعية.

2- ان استمرار السلاح الفلسطيني غير الشرعي خارج المخيمات سيقوي اكثر فاكثر التوجه العام بالتراجع اللبناني عن قرارات طاولة الحوار الاولى ما سيجعل بعض الغوغاء يربط الموضوع مجددا بسلة من الحقوق الفلسطينية على قاعدة "خذ القليل وطالب بالكثير".

فانطلاقا من مجمل هذه الملاحظات نرى ان الموضوع الفلسطيني وملف حقوق الفلسطينين يجب ان يحكمه اعتبار واحد هو مصلحة لبنان اولا في كافة ابعادها الاستراتيجية الداخلية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والقانونية، قبل البحث في اي صيغ او مطالب او اوراق عمل تكون منطلقة من منطق تدوير الزوايا في غالب الاحيان ولو على حساب السيادة والمصلحة اللبنانيتين. فليتوقف المزايدون عن "ملكيتهم اكثر من الملك" وليفكروا ولو لمرة بلبنان …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل