#adsense

سمير جعجع ويقظة الشارع المسيحي (2/2)

حجم الخط

لم نكد نفتح بالأمس باب الحديث عن المزايدة، حتى أتحفنا اليوم بكلام مزعج ومزايد أيضاً، يصوب سهامه إلى رئيس الحكومة ويحاول الالتفاف عليه، كنا نظن أن ميشال عون فقط مصاب بداء "الغيرة التدميرية"، فإذا الكتائب تنتابها أحوال ملتبسة هذه الأيام، والسبب لا يحتاج إلى كثير أدلة، فلم يتوانَ أمس حزب الكتائب في إطلاق النار على رئيس الحكومة سعد الحريري، فيما هو يهدف إلى إطلاق النار على القوات اللبنانية وسمير جعجع، ولا أتردد في القول: بات واضحاً أن الحملات المتتالية التي استهدفت القوات اللبنانية كركن أساسي في 14 آذار ورئيس الهيئة التنفيذية فيها الدكتور سمير جعجع كحجر الزاوية في الشارع المسيحي وباءت كلها بالفشل، غيرت اتجاه رياح هبوبها من منطقة إلى أخرى، يبدو أن سمير جعجع مصدر قلق حقيقي للبعض فالقوات تؤطر لنفسها حزبياً، والرجل جُرب وأدرك الجميع أن مبادئه لا تتغير!!

ثمة أسئلة أود طرحها كأي مواطن عادي مؤيد لعناوين ثورة الأرز الكبيرة وللعناونين البارزين لـ14 آذار من دون الانتماء إلى أي تيار أو حزب، فكل لبناني لديه القناعة التامة بأمريْن:"لبنان أولاً" و"حرية وسيادة واستقلال لبنان"، ولن نتنازل "شعرة" عن هذا، بل أقول أكثر من ذلك، كمواطنة لبنانية مسلمة سُنية (في سياق بازار الطوائف) تراقب الشارع المسيحي ومزايداته هذه الأيام وتتوجس منها خيفة، لماذا يطلق حزب الكتائب النار على رئيس الحكومة سعد الحريري وعلى الدكتور سمير جعجع؟ وما هو وجه الاستفادة الذي يسعى لتحقيقه من وراء هذه المزايدة، بل أود أن أذهب أبعد من ذلك؛ هل يظن حزب الكتائب أن لبنان الـ2010 يحتمل أن يُطبق عليه الخطاب الذي كان سارياً في العام 1975؟ بالتأكيد لا، فالسلاح الفلسطيني الذي حكم لبنان منذ بداية سبعينات القرن الماضي ذهب إلى غير رجعة، والسلاح الموجود حالياً سواءً داخل المخيمات أو خارجها تبعيته معروفة وواضحة، وهذا سلاح بت مصيره اتفاق الطائف وعرقل تطبيقه الذين منعوا تطبيق الطائف، والذين وضعوا سمير جعجع في السجن لأنه ظل يطالب بتطبيقه، وقد بت أمر هذا السلاح في القرارين 1559 و 1701، كما طاولة الحوار في آذار العام 2006… وموضوع السلاح سواء داخل أو خارج المخيمات بيد الدولة اللبنانية العاجزة المخصية – مع أنها مؤنثة لفظاً – أو حتى بيد الفلسطينيين أنفسهم، فالجميع يعرف أين يقع قرار حماس والجبهة الشعبية وسائر الفصائل المتصارعة في المخيمات!!

لكن ما يفاجئنا أن يزايد حزب الكتائب على الشارع المسيحي ويسير في الركب العوني الداريوسي الإيراني، الذي يزايد ليرفع شعبيته المنهارة وفي لحظة يعاني فيها انهياراً من الداخل، تأتي الكتائب لتختبئ خلفه متلطية خلف البرتقالي علها تنال حصة من شعبية عون المنهارة، وتطلق النار في الوقت نفسه على القوات اللبنانية والحكومة اللبنانية بدلاً من أن تطلق سهامها باتجاه من يملك أمر هذا السلاح ويحركه متى يشاء، كأن الحزب يطلق النار على نفسه يهاجم حلفاءه ويصوب سهامه نحوهم، وفي وقت شديد الحساسية لبنانياً وإقليمياً، وفي وقت تتعرض فيه المحكمة لأكبر مناورة بلغت حد تهديد اللبنانيين بأضعاف مضاعفة من 7 أيار، والتهديد بتوجيه مناشدة للجيش السوري للعودة إلى لبنان منعاً للفتنة – طبعاً هذه أوهامهم وأمانيهم لأن الوكالة الدولية والعربية تم عزلها نهائياً – ومع أن الكتائب معنية بالمحكمة الدولية أكثر من أفرقاء مسيحيين كثر، نراها تجازف وسط بحار من الأخطار في توجيه سهامها إلى الحكومة وفي هذا التوقيت بالذات، الذي تُنكش فيه الملفات من تحت الأرض لإرهاق سعد الحريري وإغراقه وإلهاء اللبنانيين عن المحكمة، وتفجير لبنان إن اضطر الأمر والذي تبرع بواجب القيام به وليد جنبلاط فهو أدرى كيف تؤتى الفتن – ما حلنا ننسى عنترياته التي قادتنا إلى 7 أيار – كل هذا لتفجير المحكمة، والكتائب مشغولة بالمزايدة على الدكتور سمير جعجع، مع أن الرجل في زمن الحرب قاتل بنفسه دفاعاً عن حقوق المسيحيين – بحسب وجهة النظر المسيحية في الحرب اللبنانية – فيما جلس غيره في القصور واستمتع بالمناصب على دماء الذين قاتلوا واغتيلوا أيضاً…

"منشان الله" نريد أن نفهم مين عم يزايد عمين؟ في عز هذه الدوامات لم يتردد حزب الكتائب أمس في الهجوم على سعد الحريري متهماً رئيس الوزراء بالكيدية لأن مستشار الرئيس أمين الجميل الوزير سليم الصايغ وزير الشؤون الإجتماعية لن يكون في عداد الوفد الوزاري لزيارة دمشق، أي استخفاف بعقول الناس هذا؟ مضت شهور والمدراء العامون في البلدين يعقدون اجتماعات ويحضرون اتفاقيات وتعديل اتفاقيات، نود أن نسأل الكتائب إن كانت وزارة الشؤون الاجتماعية كانت في عداد هذه التحضيرات، أم أن الجماعة يتحينون الفرصة للذهاب و"ما إلن عين"؟! فبدأوا بإطلاق النار عشوائياً على القوات وسمير جعجع بالتالي وعلى سعد الحريري…

يا عيب الشوم، على من يدعي أنه حليف ويتصرف وكأن البلد رغيف ويريد نتشة منه؟ يا عيب الشوم على من يزايد على الدماء مغامراً بمصير البلد، والمحزن أن يتحدث رئيس جمهورية سابق ورئيس حزب عريق بلغة رجل ميليشيا من العام 1975، في وقت نشاهد فيه سمير جعجع الذي اتهم وطوال عقود بقيادة ميليشيا، وتم تحميله كل الأوزار التي ارتكبها حزب الكتائب في حرب السنتين وحتى ما قبل الاجتياح الإسرائيلي، نراه يتحرك ويتصرف ويتحدث بمنطق رجل الدولة، الذي يضع مصلحة لبنان وشعبه بمسيحييه ومسلميه نصب عينيه، ويدرك حجم المخاطر المحدقة به، ويدرك جيداً إلى أين قد تقود المزايدة في ملف أريد به تفجير الساحة اللبنانية بين المسلمين والمسيحيين، ويدرك أنه سيناريو باهت ومكروه وممجوج، وأن كتاب هذه السيناريوات لم يتعلموا شيئاً لأنهم يعيدون السيناريوهات القديمة، فيما ينخرط البعض في الرقص على حبال مصالحهم الآنية متاجرين بالجميع، بالمسيحيين وبلبنان أولاً!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل