بعدما رفضت تدخّل أي طرف ثالث بينها وبين لبنان
هل تستجيب سوريا عملياً للمطالب ومعالجة المشكلات ؟
ليست المرة الاولى التي ترفض فيها سوريا دخول طرف ثالث على خط العلاقات الثنائية بينها وبين لبنان سواء كان هذا الطرف عربياً او اقليمياً او دولياً. فعندما وضع اتفاق الطائف اصر الرئيس حافظ الاسد على ان يكتب بيده الصيغة المتعلقة بانسحاب القوات السورية من لبنان وهي الصيغة التي اراد العميد الراحل ريمون اده اعادة النظر فيها كشرط لحضوره لقاءات الطائف، فقيل له ان هذه الصيغة وضعها الرئيس الاسد وهي غير قابلة للبحث ولا لاعادة نظر. وعندما تم تشكيل قوة "الردع العربية" وكانت القوة السورية تؤلف العدد الأكبر فيها، تحولت بعد اشهر الى قوة سورية بحتة. وكان العميد اده قد طلب من الرئيس الياس سركيس ان يجعل "قوة الردع العربية" تتألف بعدد متساو من الدول العربية التي تشارك فيها لأن لسوريا مطامع في لبنان تحاول تحقيقها من خلال وجودها العسكري القوي فيه.
وعندما تم تشكيل لجنة ثلاثية عليا في قمة الدار البيضاء من ملك المغرب والعاهل السعودي والرئيس الجزائري وإعطائها الصلاحيات الشاملة والكاملة لتحقيق الاهداف التي اقرتها لحل الازمة اللبنانية واطلاع القمة على جميع مراحل التنفيذ، ودعم الحكومة اللبنانية في حل اي مشكلة تعترضها، فان هذه اللجنة ما لبثت ان اصبحت في خبر كان ولم تواكب مراحل التنفيذ كما طلب منها لا سيما في ما يتعلق ببسط سلطة الدولة على الاراضي اللبنانية بقواتها الذاتية، فاستأثرت سوريا بعد انفراط عقد تلك اللجنة بتنفيذ اتفاق الطائف تنفيذاً استثنائيا وانتقائيا. فلا انسحبت قواتها من لبنان ضمن المهلة الزمنية المحددة في الاتفاق، ولا عمدت الى حل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها الى الدولة، ولا تم بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل اراضيها بسبب بقاء السلاح في ايدي بعض الميليشيات وتحديداً الفلسطينية ما شكل بؤراً وجزراً امنية خارج سلطة الدولة، وهو وضع لا تزال الحكومات اللبنانية تعاني منه حتى الآن…
وعندما كان "لقاء قرنة شهوان" يطالب تكراراً بانسحاب القوات السورية من لبنان تطبيقا لاتفاق الطائف، كان يأتي جواب السياسيين القريبين من سوريا ان هذا الانسحاب لن يتم تحت الضغط وان على "قرنة شهوان" ان تكف عن المطالبة بذلك وتترك لسوريا اختيار الظرف المناسب لتأخذ هي المبادرة. لكن الانسحاب السوري من لبنان لم يتم لا تحت المطالبة به ولا في غياب اي ضغط الى ان صدر القرار 1559 الذي يدعو سوريا الى الانسحاب من كل الاراضي اللبنانية فانتقدت سوريا هذا القرار واعتبرت انه يشكل تدخلاً في شؤون تخص لبنان وسوريا ورفضت تنفيذ هذا القرار الى ان وقعت جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وتم على الأثر الانسحاب السوري الكامل من لبنان.
وعندما صدر القرار 1680 الذي دعا الى دعم تحديد الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا خصوصا في المناطق التي تعتبر فيها الحدود غير مؤكدة او محل نزاع (اشارة الى مزارع شبعا) واتخاذ تدابير مماثلة للتدابير التي اتخذتها حكومة لبنان ضد عمليات نقل الاسلحة الى الاراضي اللبنانية، كما دعا كل الدول والاطراف المعنية (في اشارة الى ايران وسوريا) للتعاون الكامل في مجال تنفيذ جميع متطلبات القرار 1559، لم يتأخر رد فعل سوريا على هذا القرار واعتبرت صدوره تدخلاً في الشؤون السيادية والعلاقات الثنائية للدول الاعضاء في الامم المتحدة ويشكل بالتالي اداة ضغط غير مبررة واستفزازاً يعقد الامور والمسائل التي هي قيد الدرس الايجابي".
وعندما صدر القرار 1701 الذي يشير الى جميع قرارات مجلس الامن السابقة في شأن لبنان ولا سيما القرارات 425 و426 و520 و1559 و1655 و1680 و1697 وهو يدعو الى وقف تام للأعمال القتالية ونشر قوات دولية وقوات من الجيش اللبناني في الجنوب لتحل مكان القوات الاسرائيلية المطلوب منها الانسحاب من كل المنطقة ودعوة اسرائيل ولبنان الى دعم وقف دائم لاطلاق النار ونزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان ومنع مبيعات او امدادات الاسلحة والمعدات الى لبنان عدا ما تأذن به الحكومة اللبنانية اعتبرت سوريا ان تنفيذ هذا القرار لا يعنيها بل يعني لبنان واسرائيل فقط…
وعندما قدمت الامانة العام للأمم المتحدة تقريرها الاخير حول تنفيذ القرار 1701 ردت سوريا على هذا التقرير بتوجيه ملاحظات عدة عليه واعتباره تدخلاً في الشؤون الثنائية لسوريا ولبنان ولا سيما في مسألة ترسيم الحدود وتطور العلاقات بين البلدين واتهمت بعض مسؤولي الامم المتحدة بالانحياز لطرف دون آخر، وهذا من شأنه ان يهدد ما تم انجازه على الصعيد اللبناني.
وعندما اقترحت الامانة العامة لقوى 14 آذار حضور ممثل عن الجامعة العربية جلسات هيئة الحوار الوطني في القصر الجمهوري تصدّى نواب قريبون من دمشق لذلك، واعتبروا ان لا شأن للجامعة العربية في موضوع يخص لبنان وحده وهو الاستراتيجية الدفاعية. في حين قصد اصحاب الاقتراح من حضور ممثل عن الجامعة العربية مراقبة ما يجري في هذه الجلسات وما يتخذ فيها من قرارات لجعلها قابلة للتنفيذ ولا يكون مصيرها كمصير القرارات التي صدرت في جلسات سابقة لهيئة الحوار برئاسة الرئيس نبيه بري عام 2006 ومنها ترسيم الحدود وازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومعرفة مصير اللبنانيين في السجون السورية، لكن سوريا لم تبادر الى مساعدة لبنان في تنفيذ هذه القرارات المتخذة بالاجماع تارة بالقول ان الموضوع لا يعنيها وطوراً بالقول انها تطلب تكليفا رسميا بذلك…
والسؤال المطروح ولا جواب عليه حتى الآن هو: هل يتمكن لبنان من التوصل الى اتفاق حول كل الامور العالقة مع سوريا بدون تدخل طرف ثالث كما تريد سوريا ليكون تحسين العلاقات وجعلها مميزة شأن البلدين الجارين الشقيقين. وليس شأن اي طرف آخر؟
ان نتائج اللقاءات اللبنانية – السورية على مختلف المستويات هي التي تجيب عن هذا السؤال: فعسى ان يأتي الجواب عاجلاً لا آجلا…