هدأت الامور في الجنوب، بعد الاحتكاكات والصدامات التي جرت بين الاهالي ودوريات للكتيبة الفرنسية في القوة الموقتة للامم المتحدة في لبنان "اليونيفيل"، لاسباب تحتمل تأويلات عدة، لحدوثها في وقت كانت العلاقات بين الطرفين سليمة، ولا يوجد بينهما خلافات كبيرة تستدعي الاعتداءات التي تعرضت لها. وادت هذه الاحداث الى اثارة المخاوف لدى اللبنانيين المقيمين والمغتربين والسياح، والغاء ثلاثين في المئة من الحجوزات السياحية.
ويعتقد كثيرون ان الاحداث الاخيرة لم تكن عفوية، بل هدفت الى تحديد قواعد جديدة، لتحرك قوات الامم المتحدة في مناطق عملياتها، بما يتعارض ونصوص القرار الدولي 1701، الذي حدد مهماتها بمساعدة الدولة اللبنانية في ممارسة سلطاتها على مجمل اراضيها، وكفالة عدم استخدام منطقة عملياتها للقيام بأنشطة معادية، وذلك باتخاذ ما يلزم من اجراءات في مناطق نشر قواتها. ويؤدي تعديل قواعد الاشتباك، الذي يسعى اليه "حزب الله" بعد تبدل موازين القوى في لبنان والمنطقة لمصلحته ولمصلحة حلفائه، وعدم حل القضايا الاقليمية العالقة، الى اضعاف دور القوات الدولية وشل اعمالها وتأخير حركاتها ومنعها من مراقبة اي تحرك مسلح وعمليات نقل للسلاح وتخزينه في المنطقة الجنوبية من لبنان.
وكادت، اشارات المسؤولين الفرنسيين الذين رفضوا وصف "حزب الله" للتحركات الشعبية بالعفوية، تؤدي الى احتمال انسحاب الوحدات الاوروبية التي تمثل عصب "اليونيفيل"، بحيث يؤدي الفراغ الناتج من انسحابها، الى سقوط القرار 1701 وانكشاف الوضع الامني في الجنوب، وعودة التراشق المدفعي والصاروخي بين اسرائيل و"حزب الله"، قد تتطور الى نشوب حرب بين الطرفين، قد تتعداهما الى سوريا وايران، وتؤدي الى تدمير كبير في ابنية لبنان السكنية ومنشآته الاقتصادية وبناه التحتية، وتهجير اللبنانيين وفي مقدمهم اهالي الجنوب.
وادى التحرك السريع للمسؤولين اللبنانيين مع الدول الاوروبية وقيادة القوات الدولية العاملة في لبنان وقيادتي "حزب الله" وحركة "امل" الى لملمة الاوضاع وعودة الامور الى طبيعتها، خصوصا ان الجميع يتهيبون نشوب حرب، ستكون تداعياتها كبيرة على المنطقة وبعض دول العالم. وبدت الدولة اللبنانية ضعيفة في تعاملها مع الاحداث كوسيط بين فريقين رئيسين يتصارعان على ساحتها، هما ايران وسوريا و"حزب الله" من جهة، والدول الغربية من جهة اخرى. بينما كان من المفروض ان تكون المسؤولة الرئيسية عن كل ما يحدث على اراضيها وعلى حماية القوات الدولية وتنفيذ بنود القرار 1701 بالتفاهم مع الامم المتحدة. والمؤسف غياب الجيش خلال الاحداث وعدم تقديمه الحماية المطلوبة للقوات الدولية، وقيامه بعد انتهائها بدور الوسيط لمصالحة الاهالي معها، كما يفعل "شيخ الصلح" لدى قيامه بمهمة المصالحة بين عشيرتين متخاصمتين.
وتزامنت الاحداث مع بعض الملفات الاقليمية الضاغطة، منها: ملف العقوبات الدولية الجديدة على طهران، وموقف فرنسا الريادي في المجموعة الاوروبية الداعي الى فرض عقوبات اضافية عليها، لثنيها عن متابعة برنامجها النووي، ورد طهران على هذه الاجراءات بتدبير الاعتداءات على الكتيبة الفرنسية في لبنان، للضغط على فرنسا حتى تبتعد عن مجاراة واشنطن في تبني العقوبات الاضافية، والتوقف عن تسويقها لدى الدول الاوروبية، ودفع مجموعة الدول الخمسة الاعضاء الدائمين في مجلس الامن والمانيا، الى معاودة الحوار معها بشروطها، وبما يؤمن تحقيق مصالحها الخاصة. وملف تحريك عملية السلام بين العرب والاسرائيليين الذي تتولاه واشنطن، من خلال مبعوثها الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل واتصالاتها مع قادة بعض الدول العربية، بمعزل عن طهران.
وملف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي اصبحت على بعد اسابيع من اصدار المدعي العام الدولي دانيال بلمار قراره الاتهامي، في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والجرائم المترابطة، بعد استكماله عناصر التحقيق في هذه الجرائم.
وبدأت تصدر منذ مدة عبر وسائل الاعلام في لبنان، خطابات التحدي للمحكمة الدولية واعلان رفض المثول امامها، من بعض الجهات اللبنانية الوثيقة الصلة بدمشق و"حزب الله"، واتهامها بالتسيّس، وتوجيه اقذع الصفات لها، ونعت قضاتها بالتحيز وعدم الصدقية.
ووصلت بها الوقاحة الى مطالبة الرئيس سعد الحريري التحلي بالشجاعة والتخلي عن المحكمة والعدالة، حفاظا على الاستقرار والسلم الاهلي. ويعيش اللبنانيون نتيجة هذا المنحى الخطير والتهديد المبطن، هاجس الخوف من الفتنة، التي قد تعصف بالبلاد، لدى صدور القرار الاتهامي.
اثبتت الاحداث الاخيرة هزال الدولة، وتراجع فاعلية مؤسستها العسكرية في الجنوب، المنوط بها الحفاظ على الامن فيه والتنسيق مع القوات الدولية في مهماتها، نتيجة عدم وجود عناصر كافية من الجيش في منطقة عمليات القوات الدولية واختلاف رؤية كل منهما للقرار 1701.
في المقابل، استطاع "حزب الله" استغلال الظروف وتحقيق بعض المكاسب، نتيجة استبعاده الحرب في الاقليم في المدى المنظور، وضرورة بقاء القوات الدولية في لبنان بسبب حاجة الدول الغربية الى الاستقرار في المنطقة. ومن هذه المكاسب: امساكه بقرار الجنوب وبالقاعدة الشعبية فيه، وفرملة تحركات القوة الدولية نتيجة الخوف والحذر وفقدان الثقة مع محيطها، واستكمال بناء ترسانته المسلحة جنوب نهر الليطاني، تنفيذا لسياسة "توازن الرعب"، التي ينتهجها لحماية نفسه ولبنان من الاعتداءات الاسرائيلية.
ونأمل ان يتعامل "حزب الله" مع القضايا الاقليمية بمنظار لبناني، بحيث لا يتهور بالانخراط في حروب الآخرين، ما يؤدي الى تدمير لبنان، وتهجير اهله، وخسارة ما حققه على مدى سنوات طويلة من انجازات لطائفته وبلده.