#dfp #adsense

هل ينفذ “حزب الله” تهديداته بحرب أهلية جديدة؟

حجم الخط

وضع السيد حسن نصرالله في خطابه الجمعة 16 تموز 2010 كل من يهمه الأمر أمام ثلاثة احتمالات: إما تأجيل صدور القرار الظني والتسويف بأعمال المحكمة الدولية إلى ما لا نهاية، بمعنى طي صفحتها من دون الإعلان عن وفاتها، وإما اعتبار الرئيس سعد رفيق الحريري وحكومته المحكمة بأنها إسرائيلية ورفض التعاون معها وكل ما يصدر عنها، وإما تحويل لبنان هذه المرة إلى غزة أخرى، أي عدم الاكتفاء بـ"عملية موضعية جراحية"، وهذه التسمية لـ"حزب الله"، على غرار ما حصل في السابع من أيار 2008، لأن الظروف الدولية والإقليمية بين العام 2008 واليوم تبدلت، من الحصار المفروض على إيران إلى الجهوزية الإسرائيلية للحرب وما بينهما التموضع السوري الجديد.

من الواضح أن المجتمع الدولي لا يجد نفسه معنيا بتهديدات "حزب الله"، بدليل أن محاولة الحزب تدجين القوات الدولية جنوب الليطاني لم تفلح، لا بل تمسك مجلس الأمن بمضمون القرار 1701 وحرية حركة هذه القوات، وثمة حديث أيضا عن تعزيزها بقوات تدخل. فالمغزى الأساسي من أحداث الجنوب أن المجتمع الدولي لم يرضخ لتهويلات الحزب بتحويل قواته إلى رهائن، ما دفع "حزب الله" إلى التراجع والتسليم بخسارته هذه الجولة. وما ينطبق على أداء المجتمع الدولي في قضية "اليونيفل" ينسحب على مسألة المحكمة الدولية التي يحرص هذا المجتمع على استقلالية أعمالها ويتمسك بمفهوم العدالة التي بنظره تشكل المدخل الوحيد للاستقرار. فلا مساومة بهذا المعنى على المحكمة التي لن تتأثر أعمالها بأي عوامل أخرى مهما عظم شأنها، لأن المساومة على المحكمة تعني المساومة على لبنان مجددا، وهذا الأمر غير مطروح كليا على المستوى الدولي.

أما بالنسبة إلى الرئيس سعد الحريري، فموقفه لا يختلف عن موقف قوى "14 آذار" وفحواه الالتزام التام بكل ما يصدر عن المحكمة التي يعتبرها هذا الفريق فرصة جدية من أجل عودة لبنان دولة طبيعية، بينما التفريط بالمحكمة يعني عودة الاغتيالات السياسية واستمرار لبنان محكوما لمنطق الساحة والسلاح الميليشياوي. ولا شك أن "حزب الله" قرأ جيدا مستوى وحجم الردود التي توالت من تكتلي "المستقبل" و"لبنان أولا" على كلام نصرالله بأن المحكمة خطا أحمر، وهذا ما سيستكمل ويتوج بالوثيقة السياسية التي ستصدر نهاية الأسبوع في المؤتمر التأسيسي لتيار المستقبل.

إزاء هذا الواقع، لم يبق أمام "حزب الله" سوى تنفيذ تهديداته بتكرار 7 أيار أو الانقلاب على الدولة وإحلال دويلته مكانها. وفي هذا المجال ثمة نظرية تقول إن أحداث 7 أيار التي أجبرت الحكومة على التراجع عن قراراتها سيعمد الحزب إلى تكرارها ولكن هذه المرة باجتياح المناطق المسيحية باعتبار أن النائب وليد جنبلاط نجح في تحييد المنطقة الدرزية، كما أن التفاهم السوري- السعودي إلى جانب العلاقة الناشئة بين الرئيسين الاسد والحريري سيجنبا المناطق السنية، مما سيضع الحكومة أمام حل من اثنين: إما التراجع عن دعم المحكمة او استمرار احتلال "حزب الله" للمناطق المسيحية.

ولكن "حزب الله" الذي يهول على أمل تخلي المجتمع الدولي عن المحكمة الدولية يدرك جملة حقائق أهمها:

أولا: الوضع المأزوم لإيران خارجيا وداخليا، حيث لا تجوز المقارنة بين وضعها في أيار 2008 واليوم، كما أن المجتمعين الدولي والعربي لن يسمحا لطهرن بقيام مستعمرة لها في لبنان.

ثانيا: الوضع المحشور والمربك لسوريا. فأحداث أيار 2008 حصلت في عز الأزمة الدولية – السورية والعربية – السورية واللبنانية – السورية، بينما دمشق تعمل اليوم على تطبيع علاقاتها مع هذه المكونات الثلاثة، وأي دعم من قبلها لانقلاب مسلح ينفذه "حزب الله" تتحمل تداعياته مباشرة. لا أحد يتكلم عن فصل سوريا عن إيران، إنما عن تمايز في السياسة بدا واضحا في العراق ويتبلور في لبنان، خصوصا أن لا مصلحة لدمشق بإعادة وضع رأس نظامها مجددا على المحك. وحتى إعلام "حزب الله" يسجل مجموعة مفارقات في الآونة الأخيرة من هجوم السيد نصرالله على المحكمة وتيار المستقبل وقوى "14 آذار" بينما يُستقبل الرئيس الحريري بحفاوة لافتة في دمشق، إلى هجوم نصرالله على فرع المعلومات بينما رئيس هذا الفرع يوثق علاقاته مع الأجهزة السورية المختصة، وما بينهما انتقاد سوريا على سماحها بعبور وفد دروز فلسطين، وهو ما يصب في خانة تطبيع العلاقات مع "عرب اسرائيل" من جهة، ومع فرز مذهبي للفلسطينيين على غرار النموذج اللبناني من جهة أخرى.

ثالثا: أي هجوم على المناطق المسيحية ولو تحت يافطات مسيحية معلومة لا ينطلي على أحد، والنتيجة الفورية له نهاية النائب ميشال عون الذي هو من وفر الغطاء لـ"حزب الله" باستباحة هذه المناطق، كما إدانة المسيحيين لأي تحالف مع الحزب وفك الارتباط نهائيا معه بعدما أعاد إحياء الحرب الأهلية وضرب ركائز الدولة وقام بتدمير المناطق المسيحية وتهجير المسيحيين. وقد أصاب الدكتور سمير جعجع بتحميله عون "مسؤولية أي أعمال عنف تحصل في أي منطقة مسيحية على خلفية دعوته "حزب الله" لتغيير قواعد اللعبة. وإذا كانت الفتنة السنية – الشيعية مدانة وغير مقبولة على رغم توافر أسبابها الدينية وظروفها التاريخية، فإن استهداف المسيحيين أمر غير مقبول على الإطلاق، وهو يندرج في سياق الحروب المذهبية والطائفية الهادفة لإبادة جماعة معينة، أي الجماعة المسيحية، واستئصالها من أهم مركز لها في الشرق، هذه الجماعة المسيحية المشرقية التي يخصص لها الفاتيكان سينودس خاص في تشرين الأول المقبل من أجل تثبيتها في أرضها نظرا لأهمية حضورها ودرءا للمخاطر التي تهدد وجودها في هذا الشرق.

رابعا: البيئة اللبنانية المتعددة والمتنوعة لا تسمح لـ"حزب الله" باستنساخ تجربة حركة حماس في غزة حيث البيئة سنية حصرا، خصوصا أنه لم يسبق على مدى التاريخ اللبناني أن احتلت طائفة معينة مناطق طائفة أخرى، في الوقت الذي كانت فيه كل الاحتلالات خارجية من المماليك والعثمانيين إلى الإسرائيليين والسوريين.

خامسا: اتعظت قوى "14 آذار" من أحداث أيار 2008، حيث أن ذهابها إلى الدوحة شكل مخرجا لـ"حزب الله" من المأزق الذي وضع نفسه فيه، بينما كان يفترض بها عدم التجاوب مع أي مبادرات سياسية، ومناشدة المجتمعين الدولي والعربي التدخل لانقاذ لبنان من سلاح "حزب الله". فلو لم يفشل في 7 أيار لما كان وافق على اتفاق الدوحة الذي يحظر عليه استخدام سلاحه.

سادسا: الوضع في العام 2010 مختلف كليا عن الوضع في العام 1975، فلا حرب أهلية من دون مناخات دولية وعربية ومحلية ومؤاتية. وهذه المناخات غير مؤاتية فعليا، وبالتالي أي طرف يريد إعادة جر البلاد إلى الحرب الأهلية سيدفع ثمن فعلته غاليا.

سابعا: الوضع مختلف اليوم أيضا عما كان عليه قبل العام 2006، حيث أن وجود 15 ألف جندي دولي يمهد تلقائيا لاستصدار قرار عاجل عن مجلس الأمن بوضع مهمة هذه القوات تحت الفصل السابع وتعزيزها وتوسيع مهمامها لتشمل كل الأراضي اللبنانية.

لعل كل مسيرة "حزب الله" منذ نشأته إلى اليوم وتحديدا منذ العام 2005 تؤكد أنه حزب غير ميثاقي ولا كياني ويشكل خطرا على لبنان الصيغة والدولة والنظام والدور والرسالة. وأي ترجمة لتهديداته بافتعال حرب أهلية تعني انتحاره ونهايته، وليس أقل من ذلك، لأن كل العومل والعناصر الخارجية والداخلية تتجمع ضد مصلحته، وبالتالي ما عليه سوى العودة إلى رشده والتخلي عن انفعاليته غير المبررة وقراءة الأمور بروية وعقلانية والانخراط مجددا في مشروع الدولة اللبنانية، هذا المشروع الذي يشكل الضمانة الوحيدة له ولغيره.

خبر عاجل