#adsense

البيان الأخير للبطريرك “تصفية حساب” مع مرحلة..و”إبراء ذمّة” للكنيسة وللأكثرية..

حجم الخط

البيان الأخير للبطريرك “تصفية حساب” مع مرحلة..و”إبراء ذمّة” للكنيسة وللأكثرية.. وإعلان إرادة مستقبلية

التسوية على الرئيس تفترضُ العودة إلى المؤسسات

نصير الأسعد

 

لا مبالغة في القول إنّ البيان الصادر عن البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الجمعة الفائت، إنّما يشكّل وثيقة تاريخية وفقاً لكل المعايير.


“تصفية الحساب”


في هذا البيان ـ الوثيقة يصفّي البطريرك الحساب مع نفسه ومع الآخرين ومع مرحلة. مع نفسه إذ يضع النقاط على الحروف بشأن الظروف التي فرضت عليه وضع لائحة بأسماء عدد من المرشحين الرئاسيين، ما اضطرّه إلى تكرار تجربة مريرة قام بها في العام 1988 ولا تزال تحفر عميقاً في ذاكرته. في الحالتين، العام 1988 والعام 2007 وُضع البطريرك بين خيار تقديم لائحة أو الفوضى، وحُمّل المسؤولية عن مسار الأوضاع. والنتيجة التي يخلصُ إليها سيّد بكركي من “التجربتين” هي أن لا بديل من اضطلاع المؤسسة الدستورية الأم، أي المجلس النيابي، بدورها في ممارسة الإنتخاب. وهذه النتيجة بمثابة درس دستوري ـ ديموقراطي ليس فقط بـ”مفعول رجعي” إنّما بأفق مستقبلي: لا بديل من الصراع والتنافس ضمن المؤسسات ولا بديل من الحلول داخل المؤسسات.


على خطٍّ موازٍ لتصفية الحساب مع الذات، يصفّي البطريرك الحساب مع الآخرين، الذين أساءوا إلى لائحته وأسقطوها. ففي البيان ـ الوثيقة يذكّر رأس الكنيسة بأنّ الضمانات الخارجية والمحلية التي أعطيت له كي يُقدم على وضع لائحته، كانت تحتّم أن يكون لهذه اللائحة ممرّ من ناحية ومصبّ من ناحية أخرى. أمّا الممرّ فهو محاولة التوافق على اسم من ضمن اللائحة. وأمّا المصبّ فهو الذهاب إلى مجلس النواب للانتخاب حتّى ولو لم يتم التوافق. بكلام آخر، يعيدُ البطريرك الإعتبار لحقيقة أنّ التوافق المسبق على إسم في اللائحة لم يكن ـ بالضمانات التي أعطيت له ـ شرطاً لفتح أبواب المجلس أمام الإنتخاب.


“إبراء الذمّة”: المعارضة عطّلت


على أنّ تصفية الحساب مع الذات ومع الآخرين إنطلاقاً من تجربتين مريرتين واحدة قديمة بقيت طويلاً في النفس وثانية حديثة في سياق مشابه، اقترنت بما يمكن تسميتُه “إبراء ذمّة” ليس فقط للكنيسة التي سعت ـ ولو بكره منها لتقديم لائحة إسمية ـ إلى محاصرة الأزمة، بل للأكثرية أيضاً.


ففي البيان ـ الوثيقة، يحمّل البطريرك مسؤولية عدم إنجاز الإستحقاق الرئاسي في موعده إلى “المعارضة”. إلى “إقفال المجلس النيابي” ومن اتخذ القرار به “أياً تكن الذرائع”. وإلى نوّاب المعارضة الذين امتنعوا عن الدخول إلى المجلس عندما تمّت الدعوة إلى جلسة الإستحقاق واكتفوا بالوقوف في الممرّات. وإلى القوى المرتهنة بقرارها إلى هذه الدولة أو تلك خارج الحدود.


..لا سيّما الجناح “الشيعي السياسي”


في البيان ـ الوثيقة إذاً شهادة “ضدّ” المعارضة. وأهمية هذه الشهادة أنّها تلي محاولة ـ يتصدّرها الجنرال ميشال عون ـ لتزوير الوقائع. وتلي محاولة للزعم بأنّ وراء الفراغ الرئاسي رغبة إسلامية ـ سنّية بالتحديد ـ في مصادرة موقع الرئاسة بل إلغائه، من ضمن الزعم بأنّ ثمّة مشروعاً لـ”أسلمة” البلد قيد التنفيذ. وليس خافياً في “متن” البيان أنّ سيّد بكركي يضع اللائمة على “المعارضة” بشقّيها “الشيعي السياسي” و”الماروني السياسي” الذي يدّعي لنفسه حصريّة التمثيل المسيحي.


“تصفية الحساب” مع الذات ومع الآخرين ـ أي النقد والنقد الذاتي ـ إنطلاقاً من تجربتي اللائحة الإسمية، و”إبراء الذمّة”، ذمّة الكنيسة وذمّة الأكثرية، هما السمتان الرئيسيتان للبيان ـ الوثيقة التاريخية. بيد أنّ البطريرك لم يقُل كلامه هذا لـ”يستغفر الله” ويمشي. لم يقله لتسجيل موقف. قاله لأنّه يعلن إرادة المتابعة. فهو يؤكد تصميمه على إنهاء الفراغ في رئاسة الجمهورية، وعلى إنقاذ الرئاسة إنقاذاً للصيغة والطائف والدولة والكيان ويطالب “الجميع” بالمثل.


التسوية المقترحة “على” سليمان


وبعد، لا شكّ أنّ لهذه “الأمثولة” البطريركية ترجمةً سياسية فورية. كيف؟


الأسبوع الماضي، وفي ما يؤكد ما جاء في بيان البطريرك، بادر “مسلمو 14 آذار” إلى طرح ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية. أرادوا بذلك تأكيد رفضهم إطالة أمد الفراغ في رئاسة الجمهورية. لكنّهم في الوقت نفسه، أرادوا فتح أفق “التسوية” في هذا الموضوع، على تقدير منهم أنّ سليمان الذي رفض تصويب النار على رؤوس المنتفضين ضدّ الوصاية السورية والنظام الأمني في 14 آذار 2005، ورفض إعتبار مخيّم نهر البارد خطاً أحمر، والذي حمى تحرّك “المعارضة” بمقدار حمايته للسرايا الحكومية، والتزم بخطاب “التحالف مع المقاومة”.. سيكون مقبولاً من الجميع.
“خارطة طريق” نصرالله: الإستيلاء على السلطة


غير أ نّ ردود فعل “المعارضة” على هذا الترشيح، جاءت تحمل شروطاً على التسوية الرئاسية بالعماد سليمان. فبينَ “حزب الله” وعون إنهالت الشروط ليس فقط لتجاوز التسوية المقترحة لأزمة رئاسة الجمهورية، بل لتعيد تظهير “خارطة الطريق” التي رسمها الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في خطابه الأخير، بما هي خارطة طريق الإنقضاض على السلطة. فلإبرام التسوية حول سليمان رئيساً، تريد “المعارضة” رئاسة الحكومة والحكومة المقبلة والتعيينات الأمنية.
في مقابل تسوية على الرئاسة تقترُحها الأكثرية، تريدُ “المعارضة” السلطة. تريدُ تحقيق ما لم تحقّقه خلال عام ممّا طالبت به. تريدُ تغيير توازن القوى بإستسلام من جانب الأكثرية.


“التسوية” والمؤسسات


الترجمة الفعلية لـ”الأمثولة” البطريركية هي أمرٌ مختلف. التوافق على إنتخاب العماد سليمان ـ إذا تمّ ـ يُفترض أن يعني العودة إلى المؤسسات. وأن يعني صراعاً ديموقراطياً دستورياً داخل المؤسسات. وأن يعني إحتكاماً إلى المؤسسات. وفي “منطق المؤسسات”، ثمّة إستشارات نيابية ملزمة يجريها رئيس الجمهورية لتكليف رئيس للحكومة. وفي المنطق نفسه يشكّل رئيس الحكومة المكلّف حكومته بمشاورات ـ غير ملزمة ـ ويذهب إلى المجلس النيابي ببيان وزاري ليطلب الثقة على أساسه. ولا يُعقل في الظروف اللبنانية القائمة أن يشكّل أيّ رئيس مكلّف حكومته بتجاهل أهمية تحقيق “مصالحة وطنية” أو بتجاهل لـ”إجماعات” الحوار الوطني. لكنّ الفارق كبيرٌ بين “المصالحة الوطنية” و”التعطيل”، بينها وبين الإستيلاء على السلطة التنفيذية، بينها وبين الإنقلاب على موازين القوى.


الترجمةُ الفعلية لـ”الأمثولة” البطريركية تقضي بعدم إقفال المؤسسات أي إلغاء دورها. رئيس الحكومة بإستشارات ملزمة لرئيس الجمهورية. وتشكيلها يأخذ في الإعتبار موجبات المصالحة. وبيانُها الوزاري يترجم الإجماعات الوطنية. وعكس ذلك يعني نسف التسوية على الرئاسة وحول الرئيس. ويعني نسف المؤسسات والمضيّ في الإنقلاب. ويعني إدخال البلد في “حكم الشارع”. ويعني ضرب النظام الديموقراطي البرلماني. ويعني نسف الطائف.
وهذا لن يكون

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل