#adsense

الإنفراج خارجي·· والتوافق داخلي؟

حجم الخط

الإنفراج خارجي·· والتوافق داخلي؟

صلاح سلام


لم تكن مجرد “ضربة معلم” أن تبادر الأكثرية، بتشجيع ودعم من النائب سعد الحريري، الى طرح اسم العماد ميشال سليمان كمرشح توافقي، قادر على إخراج البلاد من المأزق الراهن، ولا هي مجرّد “صدفة بحتة” أن يفتتح العماد سليمان غداة تداول اسمه في الدائرة التوافقية، “معهد الرئيس فؤاد شهاب للدراسات العسكرية”، وأن يؤكد في كلمة الافتتاح على إيمانه بنهج الرئيس الراحل في بناء المؤسسات والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية·


وليس في الأمر قدرة “سحر ساحر” في تحقيق الانفراج الإقليمي – الدولي الذي أطلق الاستحقاق الرئاسي من سلاسل الخلافات الداخلية والضغوطات الخارجية، ووضعه على سكة الحسم والتنفيذ بـ “قدرة التفاهمات” الخارجية التي فتحت الطريق واسعاً أمام توافقات لبنانية – لبنانية على الرئيس العتيد، بل وعلى مرحلة ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية!

 

ولعل الحديث، أولاً، عن الانفراج الإقليمي – الدولي، والعوامل العربية التي عملت له وساهمت في تحقيقه، يساعدنا على إدراك خلفية التطورات السياسية المهمة، التي تلاحقت على مدى الأيام التي سبقت مؤتمر أنابوليس، والاتصالات التي واكبت الإعداد للمؤتمر، وتلت انتهائه، والتي أدت الى “قلب الطاولة” في الانتخابات الرئاسية وتحقيق هذا الاختراق الكبير في جدار الازمة السياسية المتفاقمة منذ أكثر من سنة، والى تبديد غيوم العداء والتوتر في الفضاء الإقليمي، خاصة بين سوريا والولايات المتحدة الاميركية·

لا بدّ من القول، وبعيداً عن الأوهام اللبنانية المعهودة، إن الملف اللبناني لم يكن هو عنوان الإنفراج السوري – الأميركي الذي بدأ· وفعلياً، منذ بضعة أسابيع في المسألة العراقية، وبدأت نتائجه الأمنية تظهر تباعاً من خلال تراجع عدد العمليات ضد القوات الاميركية، وتحسن الوضع الامني في بغداد ومعظم مدن “المثلث السني” المحيطة بها، خاصة بعد نجاح خطة تنظيم رجال العشائر في الحملة ضد عناصر “القاعدة”، والتي لعبت فيها السعودية وسوريا، كل من موقعها ومن خلال علاقاتها التاريخية مع هذه العشائر، دوراً كبيراً·

 

وكانت السلطات السورية قد أخذت تشدد الرقابة على الحدود السورية – العراقية، وضبط العديد من حالات التسلل للرجال والسلاح عبر الحدود كما عمدت الى مضاعفة ارتفاع الحاجز الرملي الذي أقامته العام الماضي في المناطق الحساسة من الحدود، كما زادت نقاط المراقبة الامنية ومخافر الشرطة الحدودية·

 

كان مثلث الاعتدال العربي: الرياض – القاهرة – عمان – بطرفه المصري، خاصة نظراً لسوء العلاقة مع السعودية في هذه المرحلة، يشجع دمشق على أن تمضي قدماً في “التعاطي الإيجابي” مع ملفات المنطقة الساخنة، والتي بدأ لهيبها يهدد نظام الأمن العربي بكامله·

 

وشكلت الدعوة الأميركية لعقد “مؤتمر أنابوليس” والتي استبعدت سوريا أول الأمر، الفرصة المناسبة لفريق الاعتدال العربي لتأكيد وقوفه الى جانب سوريا وأثمرت المساعي العربية المكثفة مع الجانب الاميركي الى توجيه دعوة رسمية الى سوريا للمشاركة في المؤتمر، مع تعهد اميركي – روسي مشترك بعقد مؤتمر الشهر المقبل في موسكو يخصص لملفي الجولان ومزارع شبعا في لبنان·

 

في هذه الأثناء كان الاستحقاق الرئاسي في لبنان يدور في مرحلة الوساطات الفرنسية والأوروبية، التي لم تكن قادرة وحدها على تفكيك عقد تداخل الخارج الإقليمي والدولي مع الصراعات المحلية، فكان أن تم تعليق إجراء الاستحقاق اللبناني الى ما بعد “مؤتمر أنابوليس” الذي يمكن القول، ٌإنه كان بمثابة اختبار عملي للأميركي والسوري، بمدى جدية التزام كل طرف تجاه الآخر، وذلك بعد سنوات من التوتر والصراع الديبلوماسي، والتي شابها الكثير من الحذر والشك والريبة بنوايا كل طرف تجاه الآخر·

 

وهنا لا بد من الإشارة الى أهمية الزيارة التاريخية فعلاً، التي قام بها العاهل الأردني عبد الله الثاني الى دمشق، ولقائه المطول مع الرئيس بشار الأسد، والذي انتهى الى تركيز نتائج مساعي مثلث الاعتدال العربي مع الإدارة الاميركية من جهة، فضلاً عن وضع أسس تطبيع العلاقات العربية – العربية، خاصة السعودية – السورية، من جهة ثانية، وذلك استعداداً لعقد القمة العربية المقبلة في دمشق، وتأكيد سوريا قضايا الامن العربي·

 

العالمون ببواطن الأمور لم يفاجأوا بإلغاء دمشق لمؤتمر الفصائل الفلسطينية المعارضة لمؤتمر أنابوليس، والذي كان مقرراً عقده في العاصمة السورية، التي تدخلت أيضاً للحؤول دون انعقاده في طهران تلبية لدعوة إيرانية رسمية وعلنية!

كما أن إشارة الرئيس الاميركي جورج بوش بالمشاركة السورية في “أنابوليس” لم تخرج عن سياق المتوقع في المرحلة المقبلة، من ظهور إشارات ايجابية متتالية عن تحسن مناخ العلاقات الأميركية – السورية·

 

بعيداً عن حسابات الصفقات وهواجسها المتعلقة بالنسبة للبنانيين، لا بد من الاعتراف بأن لبنان سيكون في مقدمة المستفيدين من مناخات التعاطي الجديد بين واشنطن ودمشق، لأن الوطن الصغير تحول الى رهينة بين طرفي الصراع الأميركي والسوري، حيث أمسك كل طرف منهما بمجموعة من الأوراق الداخلية اللبنانية، وراح يضغط بها، ومن خلال الساحة اللبنانية على الآخر، الامر الذي أدى الى تعطيل طاولة الحوار، وحصول هذا الانقسام العامودي الخطير في النسيج اللبناني، فضلاً عن محاولات الشلل التي أصابت الحركة السياسية والاقتصادية بعد خروج وزراء الثنائي الشيعي من الحكومة، والنزول الى ساحات الاعتصام في وسط بيروت·

 

ولعل أولى إيجابيات المناخ السوري – الأميركي الجديد العودة الى صيغة التوافق، والتعامل معها بجدية من كل الاطراف هذه المرة، والتي تجاوزت الكثير من حساسياتها الحزبية والفئوية، وتلاقت حول المرشح التوافقي الوحيد العماد ميشال سليمان، الذي بادرت الأكثرية الى طرحه لإخراج البلاد والعباد من ورطة الفراغ الرئاسي الراهنة·

 

لن ينفع الغبار السياسي الذي يطلقه بعض أطراف المعارضة للتشكيك بجدية طرح الأكثرية للعماد سليمان، بحجة معارضة قيادات 14 آذار المعروفة لتعديل الدستور، في تغيير اتجاهات رياح التوافق التي أطلقتها العوامل المناخية الخارجية، كما أشرنا·

 

ولن يفيد هذا السجال البيزنطي حول إشكالات تعديل الدستور والاعتراف بدستورية وشرعية حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، لأن مصلحة الوطن أولاً فوق كل اعتبار، ولأن مقتضيات الخروج من حالة الفراغ الرئاسي تقتضي تقديم بعض التنازلات، ولأن العودة الى المؤسسات هي الضمانة لعدم اختلال التوازنات الوطنية الدقيقة، فضلاً عما تقتضيه العودة الى المؤسسات الدستورية من ضرورة لسحب الازمة من الشارع الذي حوّله البعض الى برميل من البارود قابل للانفجار عند أصغر شرارة طائفية أو مذهبية··!

 

أما ما يطلقه صغار المعارضين من تشبيحات هنا، وبالونات هناك، فلن يغيّر من واقع الامور الرئاسية في شيء· الموانع الخارجية ارتفعت، وأبواب الداخل على التوافق الرئاسي انفتحت، والثقة بالمرشح التوافقي كبيرة وتوطدت·

 

ولعل قيادات المعارضة، لا سيما حزب الله، يدركون أكثر من غيرهم أن لا جدوى من العرقلة مهما كانت المبررات، ومهما بلغت الأعذار، خاصة وأن تجربة العماد ميشال سليمان حافلة بالمواقف الوطنية والثوابت الوفاقية التي ترفض أساليب التشكيك، والشروط المسبقة سواء فيما يكثر الحديث عنه حالياً حول شخصية قائد الجيش العتيد أو قادة الأجهزة الأمنية الاخرى، أو حتى التدخل المسبق في تشكيلة الحكومة الوفاقية و”حجز” بعض الحقائب السيادية والأمنية فيها··!!

إن مثل هذا الكلام لا يسهّل مهمة الرئيس العتيد، بقدر ما يضع أمامه المزيد من العقبات لعرقلة وصوله الى قصر بعبدا، ولتأخير خروج البلاد والعباد من حالة الفراغ القاتلة·

 

فهل ثمة من يفضل ويراهن على استمرار الفراغ وعدم وصول رئيس توافقي بحجم العماد ميشال سليمان الى الرئاسة الأولى، أم يكون يوم الجمعة المقبل موعد الجمهورية مع رئيسها الجديد؟

المصدر:
اللواء

خبر عاجل