الدجل، في اللغة، هو الكذب والتمويه. والتدجيل يعني المخادعة وايهام الناس غير الحقيقة. والسياسي الدجَال هو الذي يستغلَ سرعة تصديق الجمهور بادَعاءات القدرة على التغيير، وذلك باطلاق وعود خلاَبة في خطب رنَانة فارغة، بينما الهدف الحقيقي منها هو السعي الى الشهرة والأستيلاء على السلطة. وبكلمة هو الذي يمارس لعبة الخداع ضدَ الشعب. والتدجيل في علم النفس هو الهروب من ضغوط الواقع الى عوالم تخييلية يحشر الهارب ذاته فيها لينسى حقيقته المريرة التي لا يرغب فيها. ان بعض متعاطي السياسة عندنا يمثلون النماذج الأكثر ملاءمة لامتهان التدجيل النفسي والسياسي على حدَ سواء في بلدنا المنكوب بهم.
في الحقيقة، المجتمع اللبناني مريض بالأكاذيب، يصفَق لزعيم يعمل على تخدير الناس ويخدعهم بمغالطات تعبث بعقولهم وتسخر منهم. فهو يتعامل مع الجمهور وكأنَه أميَ أو قاصر محاولا فرض وصايته عليه. والغريب ان الأنقلاب على المبادئ عنده أصبح تجارة رائجة مربحة، يتقنه من دون حساب، كيف لا وهو الذي يعتبر نفسه وحيد زمانه وفريد أوانه، لا يمكن أن يكون له ند في طول البلاد وعرضها. لكنَ المجمَلات تبقى مجرَد قناع باهت لا يخفي وجه الأداء القبيح. هو يتهَم الآخرين بما عنده، أذ يتحدَث بشعارات فضفاضة عن ديمقراطية أصيلة تحسدنا عليها أمم الأرض، لكنَه يحظَر عليها الأنتقال من حيَز النظريات الى ميدان التطبيق. يجد في الأحزاب حيثيَات عائلية يمجَها ويكيل لمديريها الأتهامات بالتسلَط والهيمنة، وهو الذي صنع من تيَاره جمهورية وراثية في ظلّ زعيم أبديَ أبيَ، تقوم على الطرح التالي: أذا كان المؤسس هو الأقوى والأفضل والأنفع، فوريثه من صلبه هو على شاكلته من دون شك، فلماذا نحرم الأمَة من بركاته وأفضاله؟ وأذا لم يكن للقائد ابن ذكر، فلا بأس في تولية زوج ابنته في انتظار أن ينضج الشعب فينصَب الأبنة رئيسة لأنها تشبه أباها في التفرَد بخصائص الكفاءة والحكمة والعبقرية. هو ينادي بالحريَات ولا يتسامح مع دعاة الحقوق، ويرفض الأستماع الى الذين يتَهمهم بالحقودين والمتآمرين. يدعو الى العدالة والنهضة وتداول السلطة والتنمية، وفي المقابل يعطَل الأنتخابات الرئاسية ليقبض ثمن العودة عن التعطيل، ويعطَل تشكيل الحكومة اذا لم يكن "الوريث" عضوا فيها. يقدَم أطروحة في الوطنية، بينما تقاس " اللبنانية " في ممارساته بمدى كره ابناء قومه والدوس على مقدَسات الوطن. يتبجَح باستمرار كونه ساهم في أصدار القرار 1559، وفي التطبيق لا يدير ظهره فقط لمضمون القرار بل وينتهكه بفظاظة وبأشكال مبتكرة. يوهم الناس بأنه المظلوم الدائم، وهو المتفرَغ أبدا لأتهام الآخرين زورا.
في الخلاصة هو يرتدي ثوب الطوباوية ويمارس النفاق السياسي. ولكن فليعلم أنَ الحقيقة تأتي على مهل، لكنَها تأتي.
هذا الرجل المدّعي التشامخ، هناك طلاق بين أقواله وأفعاله. ولعلّ الشعور بالنقص هو من الأسباب التي تحفَز على الأزدواجية الواعية أو الأصابة بالأحتشاء العقلي أي جلطة تسدَ شريان التفكير مما يدفع بالمصاب الى تجاهل الحقائق وقلبها وتزييفها لحاجة في نفسه، وكأنَه يخاطب غير أهل الأرض. والمشكلة انه اذا كان التدجيل في الطب يقتل الأشخاص، فالتدجيل في السياسة يقوَض دعائم الدولة ويهدم الوطن من أساسه.