السياسي البارع هو السياسي الماكر الذي يجعل من البوليميك Polemique لغة يتواصل من خلالها مع الجميع من خلال التصادم المنتج الذي يعود عليه بالفائدة ويبقيه في سدة الحكم.
السياسي الماكر، هو السياسي الزاعم والكاذب، لأن الزعم والكذب يشكلان أدواته في صوغ أفكاره. فهو يحترف لعبة المَكْر والفِكر، وحرفة الملاسنة والمداهنة، وأساليب قلب المعادلات بحسب التوازنات، وتدوير الزوايا والوصول إلى السرايا، والسير بين المعقول واللامعقول، وجعل المستحيل ممكناً.
والسياسي الماكر الذي يحترف أساليب البوليميك يستطيع أن يحفظ وزنه وتوازنه في الحكم، ويستطيع أن يتجاوز الخلافات ليجعلها تصب في مصلحته أو مصلحة برنامجه.
من أبرز أدوات البوليميك: النقد اللاذع Le Pamphlet، والهجاء Le Libelle، والبروباغندا La Propaganda، والتصارع Agonistique، والمجادلة Controverse. ونستخلص من خلال هذه المصطلحات أن البوليميك يرتكز على المشاحنات والتصادم السياسي العنيف والحاد، لكنه ليس تصادماً مسلحاً بل هو تصادم كلامي يرتكز على المكر والنقد والهجاء والمجادلة.
إلا أننا سنميز بين نوعين من الاستخدام البوليميكي، واحد أصاب في استخدامه وهو البوليميك الغربي، وآخر أخفق وهو البوليميك اللبناني.
الأول جعل منه محركاً ذهنياً (مع محركات أخرى كما سنرى) يسيطر من خلالها على الآخرين. والثاني حوّله صورة معدلة أو مشوهة من الصورة الغربية فكان معوّقاً لا يلبث أن يصل إلى حد الانفجار والتصادم المسلح.
لماذا نجح البوليميك في الغرب وفشل على أرضنا اللبنانية؟
1- التجربة البوليميكية الغربية
يشتق مصطلح البوليميك من الكلمة الاغريقية πολεμικός, polêmikôs التي تعني الحرب. لكنها أعطيت في اللغات الاوروبية معنى السجال السياسي العنيف.
ويعود فضل استخدام هذا المصطلح في أوروبا إلى الألماني كارل شميت Carl Schmitt في كتابه (مفهوم السياسة La Notion de politique)(1) والفرنسي جوليان فروند Julien Freund في كتابه (خلاصة السياسة L’essence du politique)(2).
ويقول كارل شميت صاحب النظرة الثاقبة “ان السياسة هي قبل كل شيء القدرة على استكشاف العدو”، وهي ترتكز في نظره على التفريق الصارم بين الصديق والعدو، وهذا يعني أنه لا يمكن فهم السياسية إلا على أساس الصراع بين القوميات المختلفة وهو صراع قد يصل إلى مرحلة الحرب أو لا. ومن المعروف أن الحرب تمثل التحدي الأخطر في مجال السياسة لأنها مسألة حياة أو موت، وهذا ما تنساه أو تتناساه الليبرالية، ولهذا السبب ينتقدها شميت، فالليبرالية هي في نظره حرية الإنسان في أن يحيا حياة رديئة. الليبرالية تظل في نظره إيديولوجية المساومة وتمييع المواقف والمحافظة على السلام بأي ثمن.
وفيما ينتقد شميت الليبرالية، كونها تستخدم البوليميك لتمييع المواقف والحفاظ على السلام، يرى اللبناني فردريك معتوق في البوليميك محركاً ذهنياً من محركات سيطرة الغرب على العالم، حيث اعتبر في كتابه (مرتكزات السيطرة الغربية): أن لدى الغربيين اليوم خمسة محركات ذهنية تأسيسية هي: (الهيمنة، المجادلة السياسية (البوليميك)، المعرفة، التنظيم، الربح)، التي شكلت عندهم رافعة سيطرتهم على العالم منذ خمسة قرون ونيف. وتعتبر هذه المحركات تأسيسية بمعنى أنها شكلت على الدوام قاعدة السيطرة الغربية، وأن غياب احدها قد يجعل كوكبة السيطرة العتيدة غير ممكنة أو غير فاعلة أو مبتورة(3).
نستطيع أن نفهم رفض شميت للبوليميك الغربي لأنه يعد من أكبر نقاد الفلسفة الليبرالية في القرن الماضي ومن أهم المفكرين الذين ناقشوا إشكاليات السياسة والدستور ومعضلة الحريات العامة، كما شمل تأثيره اليمين واليسار الأوروبي على حد سواء. وعلاوة على ذلك يعتبر شميت أحد الممهدين فكرياً لأطروحات المحافظين الجدد الذين يلعبون حالياً دوراً رئيسياً في صوغ السياسة الخارجية الأميركية.
ويعتبره آخرون مفكراً رجعياً لأنه ساند النظام النازي بعد وصوله إلى سدة الحكم في عام 1933، وتأثر كثيراً بهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ومعاهدة فرساي، ولعل الدافع الخفي لفلسفته جاء بمثابة رد فعل عنيف على تلك الهزيمة. ولا بد من التذكير بأن شميت لم يكن المثقف الوحيد الذي وقف هذا الموقف. فماكس فيبر مثلا، أحد كبار مؤسسي علم الاجتماع المعاصر، تبنى الموقف نفسه مثله مثل كثير من المثقفين الألمان.
ويتبين لنا مما تقدم أن رفض شميت للبوليميك كان رفضاً إيديولوجياً يرتكز على نزعة توتاليتارية شمولية. كما اعتبره كارل بوبر “عدواً لدوداً للمجتمع الليبرالي المفتوح”(4).
لقد آمن كارل شميت بأن الكفاح هو الأداة الوحيدة الكفيلة بتوحيد الشعب. وهنا يلتقي نهاراً جهاراً بالأيديولوجية النازية، ناهيك عن دفاعه عن مفهوم الأمة النقي عرقياً، ونزعته العنصرية التي تعتبر أن الآخر المختلف يظل خطراً يجب التخلص منه مهما كلف الثمن. وقد مهدت هذه الأفكار الطريق أمام المحافظين الجدد في صناعة قرارهم السياسي وهو ما يظهر جلياً في الدور الفعال الذي يلعبونه في صوغ السياسية الأميركية المعاصرة التي تسيطر أطروحاتهم التوسعية على استراتيجيتها السياسية والعسكرية، والتي تسعى إلى إرساء الهيمنة الأميركية على منظومة العلاقات الدولية حتى لو اضطر الأمر إلى استخدام كل الوسائل. ويشكل الفيلسوف ليو شتراوس، الذي كان تلميذاً عند كارل شميت، عامل الربط بين فكره ورؤية المحافظين الجدد وذلك على الرغم من أن أيديولوجيتهم التبسيطية القائمة على افتراضات انتقائية بعيدة جداً عن الزخم الفكري لكتابات ليو شترواس ومعلمه كارل شميت.
هذا ما يجعل النازية خارج دائرة البوليميك الغربي لأنها بحسب كارل بوبر لا تنتمي، في تكوينها العضوي، إلى الفكر الغربي الحديث، بل إنها من رواسب عصبيات المجتمع المنغلق الذي كان سائداً في القرون الوسطى والذي يقوم على السحر والكاريزما ومعاداة الحرية الفردية.
وفي هذا الصدد يروي لنا الايراني علي شريعتي قصة الالماني البائس في زمن هتلر الذي كان يريد خوض الحرب لإسترجاع خمسة ملايين جرماني إلى المانيا كي لا يتلوث أصلهم بسائر القوميات. فيقول عنه:”ما أسخفه! إنه يموت جوعاً وبؤساً وفاقة، ولا يشعر بذاك، ولا يدرك تأثير الدعاية المزيفة عليه. ثم يريد أن يخرج خمسة ملايين نسمة من الشعب الجرماني! يخرجهم من أميركا، ويعود بهم إلى المانيا كيلا يختلط جنسهم بالعروق الأخرى فيتلوث!.. جيد لا عمل له غير هذا… لقد تمركز الاستحمار في قلبه!”(5).
فالبديل العملي الذي استخدمه العقل البوليميكي الغربي تمثل في الديموقراطية والقوانين المشتركة التي الزمت الدول في علاقاتها مع بعضها، والتي أفضت إلى نموذج جديد من التفاعلات السياسية المنتجة بعد أن كانت في القرون الوسطى أو مع النازية تستجلب الحروب الطويلة والصراعات الدامية. قبل ظهور البوليميك كمنظمومة معرفية جديدة وكحقل سياسي معرفي معتمد في الغرب، كانت الرؤية السياسية الغربية مبنية على المنظومة الملكية أو الامبراطورية حيث لم يكن يؤخذ برأي الشعب أبداً، وكانت تنسج السياسة من حياكة ملكية صرفة يؤخذ فيها فقط مصالح الملوك والعروش. ولعل حرب المئة عام (1337-1453) تجسد هذه المنظومة الملكية المنغلقة حيث أن الخلاف بين أسرتين حاكمتين جر البلدين (فرنسا وبريطانيا) الى الحروب المتسلسلة لأكثر من قرن دون الاكتراث بالمزاج الشعبي أو الجماهيري.
لكن البوليميك لم يبق في ظل القرار الملكي بل تجاوزه ووضع الرأي الشعبي في صميم المعادلة السياسية. إلا أن ذلك لم يتحقق إلا “عندما إنتقل القرار الملكي – الامبراطوري إلى رحاب الخطاب الجمهوري الأهلي. فانغلاق الأول استبدل بانفتاح الثاني الذهني والفكري. فبعدما فرض علماء الغرب الاوروبي أنفسهم خلال القرن الثامن عشر، بالحصول على أكاديميتهم العلمية المعترف بها، والمبنية على المعرفة الطبيعية، جاء المفكرون الأحرار ليشهدوا مطلع القرن الثامن عشر ما عُرف بأنوار العقل، ثم قام أهل الثورة الفرنسية بفرض رؤيتهم السياسية – الاجتماعية الجديدة على أساس شعارهم الثلاثي: حرية – مساواة – أخوة. فالبوليميك دخل المجال السياسي عبر خطوتين، تمثلت الأولى بحصول مناصريه على حرية التفكير والتعبير، والثانية بالاستيلاء على زمام السلطة في الدولة”(6).
ويعني البوليميك من المنظار الغربي الحديث الانفتاح الذهني على رأي الخصم، على رغم إختلافها العلني والعنيف معه. فلا يعني بالتالي البوليميك الشجار والخصام، بل الجدل الخلاق والبنّاء الذي يصبو مَن يدخل في مساره الى نتيجة مختلفة جدلياً عن تلك التي انطلق منها وينتمي اليها حالياً.
هذا الاستعداد الذهني لا يقف أمام حدود المتخاصمين بل يتجاوزه ويترفع عن المصالح الذاتية الصرف (أو العصبيات) لمصلحة الشأن العام.
لكن أيضاً، في نهاية الجدل البوليميكي هناك بطبيعة الحال منتصر، لكن المنتصر عليهم لا يشعرون بأنهم مهزومون، لأن الانتصار البوليميكي يُدخل من انتصر عليهم في معادلة جديدة مفتوحة قد تؤدي، بعد فترة من الزمن، الى عودة المنتصر عليه الى سدة الانتصار.
فالمنتصِر والمنتصَر عليه يدخلان، في البوليميك، ضمن دينامية توحّدهما استراتيجياً وتجعل نشاطهما السياسي متكاملاً ومنتجاً. حيث أن الانتصار لا يعني إلغاء الفريق الآخر بل يفتح أمامه الأبواب والطموح والعمل في إعداد البرامج والمشاريع ليعود إلى سدة الحكم بالأساليب الديموقراطية.
وعليه تصبح المساجلة السياسية ولاّدة، تولد المشروع تلو المشروع وتحمض الأفكار لتظهيرها صوراً تصب في خدمة الوطن.
وهنا يصبح مفهوم الحرب خلف ظهور ممارسي البوليميك، لأنهم يضعون نصب أعينهم المخططات التي تقودهم إلى الأمام. فالجدل والخلاف والنقد المطلوبة في الحياة السياسية تلتزم دائرة التفكير ولا تخرج منها، ولا يسمح لها أن تصل إلى خلافات مسدودة تقود المجتمع إلى الحروب.
2- التجربة البوليميكية اللبنانية
سقط البوليميك عموماً في الشرق(7) من قائمة المحركات الذهنية التي شغلته، واستبدل بالمحرك الديني وليس البوليميكي هذه المرة، لأن الشرق لم يشهد هذه التجربة في حياته السياسية، ومن هنا نجد أن البوليميك هو تجربة غربية صرفة لا مثيل لها في الحضارات الأخرى.
لكن البوليميك وإن كان محسوباً على الثقافة الغربية وسياساتها، لا يعني أنه لم يتم تصديره إلى المجتمعات الأخرى. فبعد أن حقق الغرب سيطرته على العالم من خلال محركاته الخمسة، وبسط نفوذه على كل المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمعرفية، تأثرت مجتمعات العالم الثالث أو دول الجنوب بهذه الثقافة، تارة من خلال الاستعمار المباشر فكان تطبيعاً قسرياً، وطوراً من خلال وسائلها لا سيما وسائل الاعلام والاتصال فكان تطبيعاً ترغيبياً، لكنه لا يخلو من التفوق ومن إعجاب المغلوب بالغالب بحسب ما آل إليه إبن خلدون.
في التجربة اللبنانية مررنا بالطورين، فخضعت السياسة اللبنانية تحت سلطة السلطنة العثمانية، وبعدها تم اقتسام تركة هذه السلطنة وفقاً لاتفاق سايكس بيكو، وبدء الانتداب الفرنسي، فكان الاستعمار المباشر القسري.
في الطور الثاني خضع لبنان بعد الاستقلال للسيطرة الغربية في المجالات السياسية (تدخل الدول الاجنبية) والاقتصادية (ربط الليرة اللبنانية بالدولار الاميركي)، والاجتماعية (تدهور القيم وإعجاب بالنموذج الغربي) والثقافية (المسرح والسينما)، فكان الاستعمار غير المباشر الترغيبي.
ما يهمنا هنا هو تسليط الضوء على البوليميك بالنكهة اللبنانية، فهو لا يشبه طبق الأصل الغربي، لكنه اعتُمِد في إطار نموذج لبناني خالص، فلم يدرك المجتمع اللبناني أهمية البوليميك كمحرك ذهني، لا على مستوى القاعدة ولا على مستوى الرأس. تماماً كما لم يفهم أهمية الديموقراطية فأصبحت حرية، وتماماً كما لم يفهم أهمية الأحزاب فأصبحت ميليشيا. وتماماً كما لم يفهم أهمية البوليميك فأصبح سجالاً سياسياً طائفياً.
وفي مرور سريع لتاريخ الحركات السياسية اللبنانية فقد قطعت أشواطاً من النزاعات(8) والأزمات والصراعات والتصادمات والعنف والحروب، دون أن تعمد إلى توليد مجادلة بوليميكية ترتكز على إتفاقات وقوانين وخطط ومشاريع، بل كانت ترتكز دوماً على قوى سياسية خارجية لتساند مشروعها على حساب مشروع آخر، دون الاتفاق على خط واحد يبني الدولة اللبنانية.
فقد إنقسم اللبنانيون بين الرافضين للانتداب الفرنسي والمنادين بالوحدة والاستقلال، وبين من يؤيد الانتداب ويطالب بالانفصال عن سوريا. وقد أخذ هذا الانقسام كما هو معلوم طابعاً طائفياً، وعرفت سلطات الانتداب كيف تستغله بالاسلوب البوليميكي الماكر الذي أوهم بعض اللبنانيين بأن الاحتلال يساند القضايا الوطنية المحلية!
حتى يقول الجنرال غورو: “انكم، أيها اللبنانيون، متمسكون باستقلالكم ومتأكدون أن لا شيىء يقدر أن يهدده. لكنكم أذكى من أن تنكروا حاجتكم إلى سوريا وحاجة سوريا إليكم، وأن الاتحاد الاقتصادي هو ضرورة حيوية للبلدين… وانني آمل بزوال المنافسة بين الطوائف لأن بقاءها يضعف لبنان الكبير”(9).
لاحظوا الاسلوب فهو يتوجه للبنانين بالتمسك بحقوقهم للحصول على الاستقلال، ممن؟ منه هو. ويشجعهم على الارتباط الاقتصادي بسوريا، لماذا؟ لأن فرنسا لها مصلحة إقتصادية في ذلك، لكنه يرسل برسالتهم بإسلوب الموفق بين الشعبين، ويأمل بزوال الطائفية التي يعملون على تغذيتها بشكل ممنهج!
رافقت الطائفية، السياسة اللبنانية في جميع محطاتها(10):
– 1840-1860 نظام القائمقاميتين: واحدة للدروز وواحدة للمسحيين.
– 1861- 1918 نظام المتصرفية: فرنسا ترعى الطائفة المارونية، روسيا الأرثوذكس، النمسا الكاثوليك، انكلترا الدروز، والسنّة والشيعة تحت رعاية تركيا وسلطتها.
– 1918-1920 مرحلة الاحتلال الفرنسي (الانتقالية).
– 1920-1943 مرحلة الانتداب الفرنسي: برزت مراعاة الطوائف في تركيبة المجالس لكن دون اعتماد توزيع المواقع الرئيسة على طوائف محدّدة.
– 1944-1958 مرحلة الاستقلال: كان التوافق الذي جرى عام 1943 بين ممثلي طوائف (الميثاق الوطني والصيغة)، والذي اوجد عرفاً (اتفاقا غير مكتوب)، بتوزيع المناصب الرئيسة للسلطة على اساس طائفي.
– 1958 الحرب الأهلية 1: الخلافات الطائفية.
– 1975 الحرب الأهلية 2: التنازع الطائفي.
– 1989 اتفاق الطائف: تكريس الطائفية.
– 2008 مؤتمر الدوحة: التوازن الطائفي.
كما رافقت السياسة اللبنانية السجالات والخطابات والمقالات الصحافية التي ينتقد من خلالها كل فريق الآخر. وقد وصل هذا السجال في محطات عدة إلى طريق مسدود ولد حروباً أهلية متعددة (حرب 1958، الحرب الأهلية 1975-1989، الاغتيالات السياسية 2005-2007، الاشكالات الأمنية 7 أيار2008، والاشكالات الامنية في طرابلس 2008). واللافت أنه في جميع هذه المحطات كانت الطائفية هي المحرك الشعبي والسياسي للصدام. تترافق مع دعوات من الأطراف المتنازعة نفسها للعيش المشترك!
هنا لا بد من عرض ملاحظة مهمة أن البوليميك اللبناني قد إنطلق من القاعدة الخلدونية القائمة على مفهوم العصبية المتحكم بالسلطة في المجتمعات العربية عموماً، والمسيطر على الأداء السياسي بين الأطراف المتنازعة في لبنان خصوصاً، وقد ظهر ذلك جلياً في الفترة الممتدة بين 2005 – 2009 حين إنقسمت البلاد فريقين متصارعين تحت اسم: فريق 8 آذار وفريق 14 آذار، وقد إستخدم هذا النزاع كل أدوات البوليميك: النقد اللاذع عبر المقالات الصحافية، الهجاء والتهكم، البروباغندا، التصارع الاعلامي عبر الشاشات، المجادلة.
لكن كل هذه الأدوات المستخدمة والمشروعة في البوليميك الغربي لم تولد بوليميكاً منتجاً كما حصل في الغرب بل بقي بوليميكاً مبتوراً. ففي الغرب إستطاعت المقالات الأدبية- السياسية على يد فولتير وروسو وغيرهما أن تولد الخطاب السياسي الثوري الذي دفع إلى تغيير النظام الملكي السائد واستبداله بنظام جمهوري ديموقراطي، بينما عندنا كان إستخدام المقال الأدبي السياسي أو السياسي الصرف بهدف التأجيج الطائفي وشد العصبيات وشحن النفوس.
ويستطيع أن يستنتج أي مراقب أن التنازع اللبناني لم يوصل أحداً إلى موقع الغالب. كما أظهرت التجارب السياسية التصادمية اللبنانية، والتي أنتجت العديد من الحروب والاشكالات الأمنية المتكررة، أن أحداً لا يستطيع أن يتغلب على الآخر في نهاية النزاع، وأن المعادلة اللبنانية تطرح قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، وقد أُطلق هذا الشعار منذ الاحداث الامنية التي هزت لبنان في العام 1958، على لسان الرئيس صائب سلام(11)، لكن أحداً في السياسة لا يعتبر.
وهنا برز مفهوم الديموقراطية التوافقية كصيغة سياسية ترعى مكتسبات وحصة كل طائفة، وأصبحت الطائفية بالتراضي تعطل عمل المؤسسات وتكرس الذهنية القبلية الخلدونية، ففي لبنان لم يولد بعد الذهن المؤسسي كما فعل الغرب بل ما زال الذهن القبلي يعيش في عقول وقلوب اللبنانيين.
إلا أن الديموقراطية التوافقية، كصيغة متداولة في السياسة اللبنانية اليوم لا تشفي طموح اللبنانيين. لأن الديموقراطية التوافقية هي ترجمة للتوافق الطائفي والذي لا يؤدي بطبيعة الحال إلى بناء دولة مؤسسات ترعى حقوق جميع المواطنين. فماذا يستفيد السني إذا كان رئيس الحكومة سنياً، والشيعي إذا كان رئيس مجلس النواب شيعياً، والماروني إذا كان رأس الدولة مارونياً، لا شيىء. لأن التوافق الذي يتحدثون عنه قد بني على أساس مصالح رؤساء الطوائف وليس على أساس مصلحة ابناء الطوائف، لأن التعيينات الموزعة بالمناصفة لا يستفيد منها صاحب الحق (إبن الطائفة) الملتزم بواجباته الدينية بل من يلتزم بواجباته الدنيوية تجاه أنبياء الطوائف.
لا بد أن يخرج النزاع اللبناني من الاطار الطائفي ليتحول تنافساً بين الفئات المتنازعة على أساس البرامج والمشاريع والمقترحات المنتجة، لا على أساس القوة والهيمنة. تنافس يكون الفكر اللغة المتداولة فيه وليس لغة العنف. خاصة أن التجربة أثبتت بالملموس أن لا فريق يستطيع التغلب على الفريق الآخر، والانتصار يجب أن يكون لمصلحة اللبنانيين لا عليهم. من هنا نستطيع إن أردنا أن ننطلق من قاعدة “لا غالب ومغلوب” والتي يتفق عليها جميع اللبنانين للاستفادة من البوليميك الغربي. أليس البوليميك الغربي هو المنادي بهذه المعادلة والقائل بأن لا مهزوم في السياسة لأن مهزوم اليوم قد يكون منتصر الغد؟
إذاً نستطيع الانطلاق من هنا. لماذا نستخدم الطائفية كسلاح دائم طالما أنها ستوصلنا في نهاية المطاف إلى طاولة التوافق؟ ولماذا نشن الحروب ونتقاتل طالما أن لا غلبة لفريق في نهاية المعركة؟ الم يحن الوقت لاستخدام عملي للبوليميك يولد نظاماً سياسياً جديداً مبنياً على ثوابت وطنية يصبح فيها السجال السياسي سجالاً منتجاً؟
(1) Carl Schmitt : La notion de politique,Champs/Flammarion, 1992.
(2) Julien Freund: L’essence du politique, Sirey, 1965.
(3) فردريك معتوق: مرتكزات السيطرة الغربية، بيروت، دار الحداثة، 2008، ط2، ص 23-24.
(4) Cof: Karl Popper: La Societe ouverte et ses ennemis, Le Seuil, Paris, 1979.
(5) علي شريعتي: النباهة والاستحمار، ترجمة هادي السيد ياسين، بيروت، دار الأمير، 2004، ط1، ص 117-118.
(6) فردريك معتوق: المرجع السابق ص 61.
(7) أنظر: فردريك معتوق: مرتكزات السيطرة الشرقية، بيروت، دار الحداثة، 2009، ط1.
(8) لمزيد من المعلومات حول مفهوم النزاع ومفاهيمه وأشكاله وأسبابه وحلوله، أنظر: شبيب دياب: سوسيولوجيا النزاع، بيروت، الجمعية التعاونية للخدمات التنموية الثقافية،2007، ط1.
(9) جورج حنا: من الاحتلال إلى الاستقلال، بيروت،1946، ص 23.
(10) أنظر كريم بقرادوني: صدمة وصمود، بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2009، ط2، ص 104.