سوريا تبرز أدوارها على جبهات عدة ولا تراجع لـ"حزب الله"
تحمية الساحة اللبنانية جزء من مشهد إقليمي يتصاعد
لا تفصل مصادر ديبلوماسية في بيروت المشهد الداخلي اللبناني الذي يشهد توترا على خلفية الحملة التي بدأها "حزب الله" على المحكمة ذات الطابع الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري عن المشهد الاقليمي. وما كان منتظرا ان يكون صيفا هادئا في ظل تطمينات أن لا حرب على لبنان هذا الصيف نتيجة اعتبارات عدة وعززه المشهد الاحتفالي الذي تمثل في استقبال امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الجنوب، تبدل ليتحول صيفاً حاراً جداً. فالمشهد الاقليمي يتصاعد على وقع جملة امور من بينها ما يتفاعل على ارض لبنان ومن خلاله. فهناك الملف النووي الايراني الذي يتفاوت بين مد العقوبات الاقتصادية التي قررتها الدول الغربية اضافة الى العقوبات الدولية التي اتخذها مجلس الامن الدولي وجزر السعي الايراني الى مواجهة ذلك عبر كلام يظهر تناقضا كبيراً يعبر عن تخبط كبير في محاولة لكسب الوقت وتجنب دخول هذه العقوبات حيز التنفيذ وبين الاسراع في وضع العالم امام امر واقع لا يمكنه الا التعاطي معه على هذا الاساس. اذ هناك استعداد ابداه مسؤولون ايرانيون للتفاوض فورا ومباشرة مع الدول الغربية الست حول تخصيب اليورانيوم في وقت تحدث مسؤولون ايرانيون اخرون وفي مقدمهم الرئيس محمود احمدي نجاد عن شروط لاستئناف المــفــاوضــات مــع الدول الغربية من بينها ضم البرازيل وتركيا اليها.
وهذه الضغوط تواجهها ايران مع ما تعتقد انه يصب في الخانة نفسها وما يعبر عنه " "حزب الله" الذي يقول ان هناك مؤامرة تستهدفه تحت عنوان المحكمة الدولية. في حين ان رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني دخل على خط ما اعتبره بدوره استهدافا لـ"حزب الله" واستهدافا دوليا لايران بدا من جهة اخرى انه من اجل محاولة استنفار شعبية اسلامية في وجه الضغوط الغربية باعتبار ان استحضار هذه الضغوط كاف في ذاته لتأمين تضامن في حده الادنى مع الاطراف المعنيين مستعيدا بذلك وجها من اوجه الصراع الغربي الايراني في لبنان او عبره والذي كان قويا في الاعوام القليلة الماضية. ويثير ذلك تساؤلات عما اذا كان ثمة مساع غير ظاهرة لان توضع جملة امور الى طاولة المفاوضات مع ايران لا تتصل بملفها النووي فحسب بل دورها في مناطق او اماكن عدة منها العراق ولبنان.
وهناك في الافق ايضا الصراع المستمر في العراق وابرز مظاهره العجز المستمر عن تأليف حكومة في ظل تجاذب عربي ايراني غربي علما ان الوضع ضاغط بالنسبة الى الاميركيين الذين ينفذون انسحابا لقواتهم في العراق في الاسابيع المقبلة ويرغبون في رؤية حكومة عراقية جديدة في اسرع وقت ممكن. كما الامر ضاغط بالنسبة الى الايرانيين الذي عجزوا بدورهم عن فرض تصورهم للحكومة العراقية.
والى هذين العاملين اللذين يضطلع من خلالهما الافرقاء الاقليميون انفسهم بالادوار في لبنان تبدو في الواجهة ايضا المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية التي لن تلبث ان تتحول من مفاوضات غير مباشرة الى مفاوضات مباشرة على نحو لا يريح لا التنظيمات الفلسطينية الراديكالية ولا الدول الداعمة لها. ففي ذروة المخاوف على استقرار لبنان لوحظ توجيه رسائل غربية تنصح سوريا بالاستماع الى ما سيقوله لها الملك السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز. وهو كلام يحمله الملك السعودي من خلاصة لقاءاته الغربية والعربية والتي تصب في خانة ملفات مهمة ابرزها العراق والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. وتاليا فان الانقسام العربي العربي لا يزال يفعل فعله على هذا الصعيد ايضا وله حصته في اثارة توتر اضافي احدى ابرز ساحاته لبنان.
وهذه عناوين ملفات كبرى اساسية وحاسمة ربما يشعر البعض بان تضافرها يهدف الى تطويق دول او تنظيمات معينة. وهو الامر الذي يضعه "حزب الله" اطارا ايضا للقرار الظني المرتقب صدوره عن المحكمة الدولية بعد اشهر قليلة مفترضا بناء على تكهنات صحافية انه سيطول أفراداً من الحزب ويتهمهم باغتيال الرئيس رفيق الحريري. في حين يعتبر البعض ان تحمية الساحة الداخلية في لبنان هي للضغط ولمواجهة الضغوط في امكنة اخرى ايضا. وتاليا فان هذا الواقع المستجد ليس ترجمة للتوتر الداخلي فحسب بل لكل هذه العوامل معا مما يجعل الامور اكثر تعقيدا مما يبدو واكثر صعوبة من ان تحل بتهدئة اعلامية وسياسية على رغم ضرورتها الملحة لئلا ينزلق لبنان الى ما لا قبل لاحد من الافرقاء المعنيين بوقفه.
لذلك فان مصادر معنية تعتقد بثقة ان الامين العام لـ"حزب الله" لا يمكنه مرحليا سوى ملاقاة المسعى العربي او على الاقل المسعى السوري من اجل مساعدة دمشق على ابراز قدرتها امام الخارج على ان تكون عامل استقرار ضروريا في لبنان ربما تحتاج اليه الدول المؤثرة كما احتاجت اليه في السابق. وهو الدور الذي تحاول ان تبرز العاصمة السورية انها تقوم به على جبهات متعددة من العراق الى لبنان وربما لاحقاً في ملفات او امكنة تفيد انها تملك فيها تأثيرا او اوراقا قوية. وهذه مسألة اخرى لكن احد اوجه التعبير عنها يحصل في لبنان او عبره من دون ان يعني ذلك تراجع السيد نصرالله عن مضمون كلامه عن المحكمة او مطالبه في شأنها. ويستدل المعنيون على ذلك من استكمال الحملات الاعلامية الرامية الى التشكيك بشرعيتها الى جانب مواقف سياسيين حلفاء للحزب في موضوع المحكمة على رغم الكلام العربي عبر القمة الثلاثية على تهدئة سياسية وامنية للوضع الداخلي. وقــد فــهــم المــتــابــعــون السياسيون في كلام وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن المحكمة قبل يومين دعما للحزب لمواصلة حربه عليها والتشكيك في صدقــيتها بما يشكل عمليا تغطية سياسية لـ"حزب الله" في مــســعاه على رغم قول المعلم ان المحكمة شأن لبناني ولا علاقة لسوريا به، في ما يمكن ان يعتبر من خلال موقف واحد وحتى عبارة واحــدة تــدخــلا لســوريــا في لبنان يناقض بقوة المشهد الذي ظهر به الرئيس السوري بشار الاسد في قصر بعبدا.
الا ان كل التوقعات تستمر غير متفائلة في الغالب ولو ان اللهجة الخطابية تراجعت نظرا الى ضخامة مضمون المطالب الموضوعة على الطاولة. في حين ان الحلول ليست داخلية من اجل ان تكون كل المخارج ممكنة على الطريقة اللبنانية.