يا الله كيف تغيرت الايام. صورة تجمع اميل لحود ووليد جنبلاط الى مائدة السياسة وخبز وملح الايام. هذا بلد عجيب.
يهجم 7 اب الى الذاكرة بعنف. أساسا لم يركن في التاريخ بعد. ما زال طازجا نعيشه يومك يومك انما باساليب مختلفة، والتاريخ لم ينته بعد من تسجيل احداث النضال لاستقلال حقيقي.
عكس ما تظنون ما زلنا في البدايات.
في صف الفلسفة، درسنا فصلا في كتاب علم النفس، عن الرائحة وتأثيرها على تجييش الاحاسيس، وكيف يمكن من مجرد رائحة، ان تفوح كل الذكريات الراقدة في الاعماق. الان أشمّ بقوة رائحة عرق واحذية. تأخذني الرائحة الى 5 و 7 و9 اب 2001. عرق السلطة والاجهزة الامنية المتصبب انهارا، من اياد انهالت علينا، ومن دون وعي، بالضرب والغضب. واحذية طبعت بقسوة في أجسادنا دمغات الاحتلال، كي لا ننسى يوما، انهم مرّوا من هنا. سكنوا هنا. احتلوا الهواء والمساحات وان عجزوا عن السماء. أحذية وسواعد ورائحة عرق بشع، انهالت فوق حريتنا، عندما قررنا ان نضع نهاية للعبودية. هي كانت عبودية ليس أقل من ذلك، وليس تعبيرا مبالغا. خراطيم السلطة لم تنجح في أن تبلل ارادة الحرية.
احب كثيرا تلك الايام رغم سوادها وصعوبتها. أشعر بالامتلاء، لاني كنت مواطنة مناضلة، اكل الضربات، وأتوجّع، وأذهب ليلا الى دهاليز الظلام، اخطط بالسر ورفاقي، لخطوة جديدة من المواجهة. رفاقي، لم يكونوا فقط من القوات اللبنانية. كانوا في التيار "الوطني الحر" انذاك، وليس "التيار العوني" كما الان. لم نكن ننتبه حتى للامر. كنا نصرخ نتخبّط نأكل الضربات ولا نقول "اخ" كي لا يفرحوا بعذابنا.
كانت سلطة الوصاية منهمكة بالقبض على أرواحنا. منهمكة بأجسادنا الطرية العنيدة، تلقننا الدرس تلو الاخر. تطاردنا من زقاق لاخر. من ليل الى ليل. تصادر صباحاتنا. تقتحم أفكارنا. تمحو حبرنا. تمزق أوراقنا. تمزمز تحت الضوء الخافت على صراخنا. تستكتبنا التهم والاعترافات الباطلة… لكنها كانت أياما رائعة! كنا معا على الحلو والمر. شربنا من ذات الكأس قبل أن يأتي "سارق" منا وفينا، وينتشل منا انتفاضة الكرامة … أو جزءا منها!
كان الضباط الاربعة – ما غيرهم- هم ضابطو الايقاع، للايقاع بالجميع. جميع من يجرؤ على رفض الاحتلال. على التنفس من خارج اطار الشقيقة وكل شقائق النعمان، من خارج "السهل السوري" الممتنع. كانوا أسيادنا. وكانوا ظنوا انهم سيبقون للابد.
تَلَهوا فينا عمرا بحاله، في حين كانت سوريا تعمّر ازدهارها على صراخنا، واسرائيل تزرع عملاءها في كل الاماكن.
وين الدني ووين أهلها. أنظر الى الصور. أجد جميل السيّد وضباطه في قفص الاتهام بأبشع الجرائم. هذه واحدة من نتائج ثورة الارز، ورفسات 7 آب "المجيدة". هذا تاريخ يقال عنه مجيد. لكن وفي المقابل، انظر الى أحدث الصور، فأجد وليد جنبلاط يجالس اميل لحود!! لا أصدّق. ميشال عون في امرة حسن نصرالله وفي حضن بشار الاسد وحليفا لسوريا … وعاد بصفقة من أجل عينيها. هذه ما عدت استغربها كثيرا! أعرف الرجل مذ بدأ يحفر بنادقه في أجساد المسيحيين. أما جنبلاط، بطل المصالحة في الجبل مع البطريرك الماروني بطل الاستقلال الثاني، عاد الى …. اميل لحود؟! تصوروا. ما زلت أريد ألا أصدّق. أريد أن أعتقد بأن الرجل يمثل. صديق البطريرك الماروني، لا يمكن الا أن يبقى صديقه، ماذا يمكن أن يجمعه بعد بشخص مثل اميل لحود؟!
أمحو الصورة "الانيّة" من خيالي، وأعود لمتعتي في استذكار 7 آب. في الزنزانة تذوقنا طعم الحرية. كانت رائعة. كنا الاقوياء وكانوا يعرفون ذلك، لذلك أمعنوا في التنكيل بنا. كانت الحرية بدأت تحفر بقوة طلائع الفجر. صاروا هم خلف القضبان. أسرهم التاريخ والذلّ. لم تنته الحكاية. عدنا الى ما يشبه البدايات مع بعض العلامات الفارقة جدا. التاريخ لا يعود الى الوراء، ولو تهيّأ لنا ذلك. من حولنا الكثير من الصراخ والتهويل. لكن من حولنا الكثير من أمل، بان درب استقلال جديد يخط خندقا جديدا لطلائع فجر أكثر نقاء.
هذه حكاية 7 آب حكاية العرق والاحذية.