بعد قرن من المآسي والحروب في الشرق الاوسط، من المؤلم أن نجد الكثير من الاوهام الخطرة، لا تزال تصبغ تصرّف عدد من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة. وما أكّد هذه الحقيقة، التقرير الذي صدر أخيرا عن “مجلس العلاقات الخارجية” الاميركي، بعنوان “حرب لبنانية ثالثة”، الذي ينصح فيه معدّ التقرير دان كورتزر(سبق أن شغل منصب سفير اميركي في مصر واسرائيل) صنّاع القرار في الولايات المتحدة، بالاستعداد لاحتمال اندلاع حرب على لبنان، خلال الاشهر القليلة المقبلة.
كتب كورتزر هذا التقرير، قبل انتشار الاشاعات التي أشارت، الى احتمال توجيه المحكمة الدولية الاتهام باغتيال الحريري، الى أعضاء في حزب الله. وبينما حوّل هذا التطور الحديث عن حرب اسرائيلية على لبنان، الى حرب أهلية فيه، الا ان هذا التقرير يظل بالغ الاهمية.
اما التطورات التي استند اليها كورتزر، فهي، مخاوف اسرائيل المتنامية من كميات وانواع الاسلحة، التي تقول ان حزب الله يكدّسها ما يشكل انتهاكا للقرار الدولي 1701، هذا اضافة الى لهجة التصعيد من قبل الطرفين.
يستبعد كورتزر، أن يشن حزب الله هجوما على اسرائيل، ويرى ان السيناريو الارجح، هو أن تستدرج اسرائيل الحزب الى الحرب، أو أن تبادر بمهاجمة قواعد الحزب في لبنان، في محاولة لاضعاف قدراته.
كورترز حذر من أن عواقب وخيمة سوف تترتب على تجدد هذا النزاع، اذ سوف يدفع لبنان – مرة اخرى – ثمنا باهظا. واسرائيل التي بدأت تعاني عزلة دولية، ستعرّض موقفها في العالم للخطر، ولن تتمكن على الارجح، من القضاء على حزب الله، او حتى اضعافه. وسوف تُمنّى الولايات المتحدة بنكسات حادة، في ما يتعلق بأهدافها الرئيسة الثلاثة في الشرق الاوسط، وهي: ابطاء أو وقف البرنامج النووي الايراني. سحب القوات العسكرية الاميركية من العراق. المساعدة في انجاح جهود السلام.
يقترح كورتزر اجراءات، يمكن للولايات المتحدة اتخاذها لكبح اي هجوم اسرائيلي، أو الحيلولة دون اتساع نطاق الحرب اذا اندلعت، الا انه يعترف بان تعقيدات السياسات الحزبية، وتأثير اللوبي الاسرائيلي، ستقيّد حركة ادارة اوباما، وتمنعها من ممارسة الضغط على اسرائيل، أو محاولة اشراك ايران وسوريا بشكل فاعل، أو فتح حوار مع حزب الله، بهدف تخفيف التوتر في المنطقة.
السيناريو الأسوأ:
يخلص كورتزر الى القول ان “في حين يتعيّن على الولايات المتحدة، العمل من اجل تفادي اندلاع حرب جديدة في لبنان، الا ان قدرتها على الحركة في هذا الاتجاه محدودة”. ويرى ان افضل خيار للولايات المتحدة، هو ان تستعد للسيناريو الاسوأ. ومن بين الخيارات المتاحة أمامها “تعزيز جمع المعلومات الاستخباراتية والتعاون الاستخباري الاميركي – الاسرائيلي، واعادة التأكيد علانية، على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وقلقها من قيام “حزب الله” بإعادة بناء قدراته العسكرية، وزيادة الضغط الدبلوماسي على سوريا، والاستعداد لمبادرات سياسية محتملة بعد الحرب”.
أوهام خطرة:
بعد قراءة تقرير كورتزر، تتبادر الى الاذهان اسئلة عدة، تركّز على الاوهام الخطرة، التي يبدو انها تحكم سلوك جميع اطراف “رقصة الموت” الغريبة هذه. .فإذا كانت مثل هذه الحرب على لبنان، لن تأتي بشيء جيّد، ولن يجني منها أحد أيّ مكاسب، كما اورد كورتزر في تقريره، ويبدو محقّا في ذلك، فلماذا نسمح باندلاع هذه الحرب مرة اخرى؟ ومتى سيدرك قادة اسرائيل، ان حربا جديدة لن تقرّبهم من السلام والقبول الاقليمي، كما حدث معها في حروب الماضي؟ واذا كان “حزب الله” معنيا بالفعل بحقوق وسلامة وامن ورخاء شعبه، فلماذا يصرّ على ممارسة لعبة حافة الهاوية؟ واذا كانت الولايات المتحدة ستخسر الكثير من هذه الحرب، فكيف تسمح للسياسات الداخلية، واللوبي الاسرائيلي، بتقييد قدراتها على حماية مصالحها القومية، من خلال التحرّك الفاعل، لكبح هذا الطرف وفتح حوار مع ذاك؟ وهل يعتقد كورتزر، الذي أصاب، برغم تحليله المثير للاضطراب، في تحديد تكاليف وعبثية وأخطار اندلاع الحرب، هل يعتقد حقا ان التوصيات التي يقترحها، سوف يكون لها أيّ تأثير، غير تشجيع مخططي الحرب للمضي قدما في مخططاتهم الحمقاء؟! وهل هناك من عاقل يعتقد، ان أيّ «مبادرة دبلوماسية» ستلقى تجاوبا غداة أيّ حرب مدمرة جديدة، أكثر مما لاقته كل المبادرات التي طُرحت في أعقاب كل الحروب الماضية؟!
وفي النهاية، الاعتقاد بأن حربا جديدة ستجلب السلام والامن، وان تكديس السلاح، في ظل وجود جار خطر ومدجج بأحدث الاسلحة، سيجعلنا أكثر أمانا، وان السياسات السيئة، التي تحكمها اعتبارات داخلية، ستجلب شيئا غير النتائج السيئة.. هي كلها أوهام خطرة، حكمت سلوك الجميع لعقود طويلة، ويبدو انها لا تزال تفعل ذلك.
رئيس المعهد العربي الأميركي في واشنطن
د. جيمس زغبي